مؤلِّفُ كتاب ” الاغتيالُ الاقتصادي للأُمَـم” الأَكْثَر مبيعاً في العالم جون بركنز: الجمهورية الأمريكية والإمبراطوية العالمية وحجر الزاوية للعبور لأمريكا اللاتينية (الحلقة الخامسة عشرة)

المراسل|كتب:

يعد الكتاب الذي بين أيدينا ،كتاب ” الاغتيال الاقتصادي للأمم، اعترافات قرصان اقتصاد “، من الكتب الصادمة، الذي تنشره “صحيفة المراسل” في حلقات متسلسلة لأهميته، حيث يكشف لنا ” جون بركنز ” كاتب الكتاب من خلال سرده لمذكراته كقرصان اقتصاد دولي، حقيقة وظيفته التي تعد من أخطر واندر الوظائف في العالم، وكيف يقومون بتوريط الدول النامية بالديون العالية المستندة إلى تقديرات اقتصادية من قبل هؤلاء القراصنة مبالغ فيها، وذلك بغرض نهب وتدمير اقتصاد هذه الدول، بهدف الحاقها بالسياسة الأمريكية وجعلها تابعة لها وغير قادرة على الإفلات منها.

يعرف ” بريكنز ” في مقدمة كتابة قراصنة الاقتصاد Economic Hit Men أو اختصاراً بـ EHM الذي هو واحد منهم بأنهم خبراء محترفون ذو أجور مرتفعة، مهمتهم سلب ملايين الدولارات بالغش والخداع من دول عديدة في جميع انحاء العالم، يحولون الأموال من البنك الدولي وهيئة المعونة الأمريكية (USAID) وغيرها من هيئات المساعدة الدولية، ليصبوه في خزائن الشركات الكبرى وجيوب حفنة من العائلات الثرية التي تسيطر على الموارد الطبيعية للكرة الأرضية. مستخدمين في ذلك وسائل اصطناع التقارير المالية، وتزوير الانتخابات، والرشوة، والابتزاز، والجنس، والقتل. يلعبون لعبة قديمة قدم عهد الإمبراطوريات، لكنها تأخذ أبعاداً جديده ومخيفة في هذا الزمن ،، زمن العولمة.

قسم ” جون بركنز ” كتاب إلى أربعة أجزاء تحتوى على خمسة وثلاثون فصلاً إضافة إلى مقدمة الكتاب وتصدير وخاتمته.

 

الفصل الحادي والعشرون: كولومبيا: حجر الزاوية للعبور لأمريكا اللاتينية

كانت دراساتي الاقتصادية عن كل من المملكة العربية السعودية وإيران وبنما دراسات ممتعة ومقلقة في آن واحد، وكانت كذلك استثناء من القاعدة. يرجع ذلك – بالنسبة للمملكة العربية السعودية وإيران – لمخزونهما الهائل من البترول، وبالنسبة لبنما فإنه يرجع للقناة، وبناء عليه كانت الدول الثلاث استثناء من النموذج السائد. أما كولومبيا فقد كان التعامل معها تقليديا، وكانت شركة مين Main هي الشركة المنوطة بها التصميمات والاستشارات الهندسية للمشروع الكبير لتوليد الطاقة الكهربية هناك.

قال لي أستاذ جامعي كولومبي كان يؤلف كتابا عن تاريخ الشمالية والجنوبية والوسطى إن تيدي روزفلت كان يقدر أهمية بلاده، وأشار إلى الخريطة قائلاً: حسبما يقال فإن تيدي روزفلت (رئيس الولايات المتحدة والقائد السابق في الحروب الإسبانية – الأمريكية) وصف كولومبيا بأنها حجر زااوية للعبور إلى أمريكا الجنوبية. ورغم أني لم أتأكد من صحة كلامه، فمن المؤكد أنه حقيقي، فعلى الخريطة تقيم كولومبيا توازنا على قمة القارة، وتظهر كأنها تمسك بقية أجزاء القارة معا. إنها تربط البلاد الجنوبية بمضيق بنما، ومن ثم كلا من أمريكا الشمالية وأمريكا الوسطى.

سواء وصف روزفلت كولومبيا بالفعل بهذه الأوصاف أو لم يصفها، فقد كان واحدا من رؤساء كثيرين أدركوا موقعها المركزي المحوري. وعلى مدى ما يقرب قرنين من الزمان، تنظر الولايات المتحدة لكولومبيا  على أنها مرتكز، أو ربما بدقة أكثر، فإنها بوابة نصف الكرة الأرضية الجنوبي تجاريا وسياسيا.

هذا البلد كذلك وهبه الله جمالا طبيعيا أخاذا: شواطئ النخيل الرائعة المحيطين الأطلنطي والهادي، وجبال ساحرة، ومناطق عشبية تنافس في جمالها السهول العظمي الموجودة في الغرب الأوسط من أمريكا الشمالية، وغابات مطيرة شاسعة ثرية بالكائنات الحية المتنوعة.

يتسم الناس أيضا بصفات مميزة، تجمع بين الجمال والثقافة وخلفيات عرقية متنوعة، بداية من مصارعي الثيران المحليين وصولا للأعراق الأفريقية والآسيوية والشرق أوسطية.

من الناحية التاريخية، لعبت كولومبيا دورا حيويا في تاريخ وثقافة أمريكا اللاتينية. ففي عهد الاستعمار، كانت كولومبيا مركز السلطة التي يعيش فيها الحاكم المستعمر لكل البقاع الإسبانية من بيرو شمالا إلى كوستاريكا جنوبا. وكانت أساطيل السفن التي تحمل الذهب تبحر من مدنها الساحلية في قرطاجنة لنقل الكنوز التي لا تقدر بمال من أقصى الجنوب في شيلي والأرجنتين وحتى تصل إلى إسبانيا. كثير من الأحداث الحاسمة في حروب الاستقلال حدثت في كولومبيا، في مقدمتها انتصار قوات سيمون بوليفار على القوات الملكية الإسبانية في معركة فاصلة هي معركة بوياكا في عام 1819.

وكما عرفت كولومبيا في العصر الحديث بتقديمها معظم نجوم الكتابة اللامعين في أمريكا اللاتينية وفنانيها وفلاسفتها وغيرهم من الموهوبين، كذلك الأمر نفسه مع المسئوليات المالية والحكومات الديموقراطية نسبيا. وأصبحت نموذجا ناجحا لبرنامج الرئيس كيندي للتنمية الوطنية في أمريكا اللاتينية. وعلى عكس جواتيمالا لم يلطخ الاتهام بالعمالة للمخابرات الأمريكية سمعة حكومة كولومبيا، وعلى عكس نيكاراجوا حيث أن حكومة نيكاراجوا لم تكن حكومة منتخبة، بل طرحت نموذجا بديلا لكل من دكتاتوري الجناح اليميني والشيوعيين. وأخيراً على عكس كثير من البلاد القوية مثل البرازيل والأرجنتين، لم تفقد كولومبيا ثقة الولايات المتحدة فقد استمرت صورة كولومبيا كحليف موثوق به رغم السمعة السيئة لجماعات تجارة المخدرات.

إلا أن عظمة تاريخ كولومبيا شوهها الكره والعنف. فقد كانت المركز الذي يقيم به نائب الحاكم الاستعماري الإسباني وكذلك مقر محاكم التفتيش، وبُنيت الحصون العظيمة والضياع الكبيرة والمدن على عظام العبيد من الهنود والأفارقة، وكانت السفن الضخمة المعروفة بالغليون تحمل ما انتزع من الشعوب القديمة من الكنوز من الذهب والآثار المقدسة والتحف الفنية النادرة والتي صهرت لتيسير نقلها. كانت تحمل الحضارات التي تدعو للفخر لتضيع على يد سيوف وأمراض الفاتحين.

في العصر الحديث، أسفرت انتخابات الرئاسة التي أثارت الجدل في عام 1945 عن انقسام شديد بين الأحزاب السياسية وأدت إلى أحداث عنف شديدة (1948 – 1957) أودت بحياة أكثر من مائتي ألف شخص.

ورغم الصراعات والتناقضات، نظرت واشنطن والمؤسسات المالية في وول ستريت عبر التاريخ لكولومبيا بوصفها دولة محورية في تعزيز المصالح السياسية والتجارية لدول الأمريكتين.

ويرجع هذ لعدة أسباب، فبالإضافة لموقع كولومبيا الجغرافي الحيوي وما تمثله بوجوتا كقبلة لزعماء نصف الكرة الغربي، فإن ذلك البلد مصدر لكثير من المنتجات الرائجة في الولايات المتحدة، مثل البن والموز والأقمشة وأحجار الزمرد والزهور والبترول والكوكايين وتعد كذلك سوقا لبضائعنا وخدماتنا.

إحدى أهم الخدمات التي بعناها لكولومبيا في أواخر القرن العشرين كانت الاستشارات الهندسية والإنشائية. كانت كولومبيا نموذجا لكثير من الأماكن التي عملت فيها. وقد كان من السهل نسبيا إبراز إمكانية هذا البلد على إستيعاب كم هائل من الديون ثم إعادة دفعها من عائدات المشروعات نفسها وكذلك من عائدات ثرواتها الطبيعية. وهكذا تم ضخ استثمارات في إنشاء محطات توليد الكهرباء والطرق السريعة ووسائل الاتصالات السلكية واللاسلكية لتتمكن كولومبيا من استخراج مخزونها الكبير من البترول ولتتمكن من تطوير المساحات الهائلة من غاباتها الأمازونية. في المقابل سيتولد عن تلك المشروعات ناتج ضروري لسداد القروض وفوائدها.

تلك كانت النظرية: على أية حال، اتسق الواقع مع أغراضنا الحقيقية في جميع أرجاء العالم، والتي تكمن في إستعباد (بوجوتا)  لتنضم إلى إمبراطوريتنا العالمية. وكانت وظيفتي، كما هي الحال في كثير من الأماكن، أن أسهم في جعل البلاد تقترض أقصى ما يمكن من القروض.

لم يكن لدى كولومبيا شخص مثل توريخوس ليكبح من مخططاتنا، ولذلك شعرت أنه ليس لدي خيار سوى أن أزيد عمليات التضحيم المالي وتوقعات الأحمال الكهربائية باستثناء نوبات الشعور بالذنب الطارئة التي تنتابني إزاء وظيفتي، أصبحت كولومبيا ملاذ شخصيا لي. فقد قضيت بها مع (آن) شهرين في بدايات سبعينيات القرن العشرين، حتى أني شتريت مزرعة بن صغيرة في الجبال على الشاطئ الكاريبي. أعتقد أن الوقت الذي قضيناه معا خلال تلك الفترة كان بمثابة علاج لجراحنا التي أصاب كل منا بها الآخر في السنوات السابقة. في نهاية الأمر، تعمقت الجراح أكثر، ولم يحدث أن تعرفت على البلد بشكل حقيقي إلا بعد فشل زواجنا.

أثناء سبعينيات القرن العشرين، حصلت شركة مين Main على عدد من العقود لتنمية مشروعات مختلفة للبنية التحتية، تشمل شبكة مرافق مولدات طاقة كهربية وأنظمة توزيع لنقل الكهرباء من العمق في الغابات إلى المدن المرتفعة في الجبال. جعلوا مكتبي في مدينة ساحيلة في بارانكيللا، وهناك في عام 1977 التقيت بامرأة كولومبية جميلة أصبحت فيما بعد دافعا قويا لتغيير حياتي.

على غير ما يتوقعه الكثيرون من امرأة كان لباولا شعر أشقر وعيون خضراء لافتة للنظر. فقد هاجر أبوها وأمها من شمال إيطاليا، ولكي تحافظ على إرثها، عملت مصممة أزياء.

ومضت في طريقها خطوة للأمام، فأنشأت مصنعا صغيرا تحول فيه تصميماتها لثياب تبيعها في البوتيكات الصغيرة في أنحاء البلاد في بنما وفنزويلا. كانت شخصية شديدة الحنو وقد ساعدتني على تجاوز بعض الأزمات النفسية الناجمة عن فشلي في زواجي وبدأت تعالج بعض مواقفي من المرأة، التي أثرت في سلبا. وبصرتني بالكثير من عواقب ما أفعله في وظيفتي.

كما قلت سابقا، تتألف الحياة من سلسلة من الأحداث التي لا حيلة لنا في السيطرة عليها.

بالنسبة لي، يشمل ذلك نشأتي ابنا لمدرس في مدرسة إعدادية للأولاد في ريف نيوهامبشاير، ولقائي مع آن وعمها فرانك، والحرب الفيتنامية، ولقائي مع إينار جريف. مع ذلك بمجرد وجودنا في هذا التسلسل للأحداث، نواجه اختياراتنا. فأفعالنا وردود أفعالنا في مواجهة هذه الأحداث المتعاقبة، هي التي تصنع فرقا كبيرا.

فعلى سبيل المثال، التفوق في الدراسة، وزواجي من آن، وانضمامي لفيالق السلام، واختياري أن أصبح قرصان اقتصاد- كل هذه القرارات هي التي أوصلتني لموقعي الحالي في الحياة.

(باولا) حدث آخر، وسيدفعني تأثيرها للمبادرة بأفعال تغير مسار حياتي حتى لحظة لقائي بها.

كنت أعيش وفقا للنظام، وغالبا ما أجد نفسي أتساءل عما أفعله، كان يعتريني شعور ما بالذنب إزاء ما فعلته ومع ذلك فدائما ما كنت أجد لنفسي مبررا منطقيا لبقائي داخل النظام منطقيا.

ربما جاءت باولا في الوقت المناسب. من المحتمل أنني كنت سأنغمس أكثر في أعمالي. علي أية حال، ما مررت به في المملكة العربية السعودية وإيران وبنما كان سيدفعني لأفعل شيئا. لكنني واثق أنه إذا كانت امرأة مثل كلودين عاملا مساعدا فعالا في إقناعي بالانضمام لقراصنة الاقتصاد، فإن امرأة أخرى مثل باولا تعد حافزا كنت أحتاجه في ذلك الوقت. أقنعتني أن انظر في أعماق ذاتي وأرى أنني لن أجد السعادة أبدا ما دمت مستمرا في ذلك الدور.

 

الفصل الثاني والعشرون: الجمهورية الأمريكية والإمبراطوية العالمية

ذات يوم، بينما كنا جالسين في مقهى قالت باولا: (سأكون صريحة معك. الهنود وكل المزارعين الذين يعيشون قرب النهر الذي تزمع أن تقيم عليه سدا يكرهونك. حتى سكان المدن، الذين لن يتأثروا بشكل مباشر بما تفعله، يتعاطفون مع فرق المليشيات التي هاجمت معسكركم. إن حكومتك تقول إن هؤلاء الأشخاص شيوعيون إرهابيون، وتجار مخدرات، لكن الحقيقة أنهم أناس عاديون يعيشون مع عائلاتهم على الأراضي التي تخربها شركتك).

كنت للتو أحدثها عن مانويل توريس. كان مهندسا يعمل معنا في شركة مين Main وأحد الذين تعرضوا مؤخرا للهجوم من قبل أفراد المليشيات في موقع بناء السد الخاص بمحطة توليد الكهرباء.

كان مانويل مواطنا كولومبيا حصل على وظيفته لأن قوانين وزارة الخارجية الأمريكية تحظر إرسال مواطنين أمريكيين لهذا الموقع. وكنت أرى ذلك القانون يستخف بأرواح المواطنين الكولومبيين في مقابل ما تمثله حياة أي أمريكي من أهمية، وكان رمزا لموقف عنصري أكرهه. زاد شعوري بالإضراب والقلق تجاه مثل هذه السياسات.

قلت لباولا: (وفقا لما أخبرني به مانويل، فإنهم أطلقوا الرصاص من رشاش كلاشينكوف في الهواء وعلى قدميه. بدا هادئا حين أخبرني عما حدث، لكني أعرف أنه يعاني من صدمة شديدة. لم يريدوا أن يطلقوا النار على أحد ولكن فقط أرادوا أن يرسلو عن طريقه رسالة).

صاحت باولا: يا إلهي. كان المسكين مرعوبا.

– بالطبع كان مرعوبا

قلت لها إنني سألت مانويل عما إذ كانوا ينتمون لمنظمة فارك FARC أو M-19، مشيرا لمجموعتين من أكثر المليشيات الكولومبية ضراوة في حرب العصابات.

– ثم؟.

قال ولا هذا. لكنه أخبرني أنه يصدق ما قالوه في رسالتهم. التقطت باولا الصحيفة التي معي وقرأت الخطاب بصوت مرتفع.

تحت من نعمل كل يوم لمجرد البقاء على قيد الحياة، نقسم بدماء أجدادنا أننا لن نسمح إطلاقا ببناء سدود على أنهارنا، نحن الهنود الأصليين وذوي الأصول الإسبانية المختلطة، لكننا نفضل أن نموت ولا نقف مكتوفي الأيدي ونحن نرى أرضنا تغرق على أيديكم. نحن نحذر إخوتنا الكولومبيين: توقفوا عن العمل في شركات البناء. وضعت الصحيفة جانبا. وقالت: ماذا قلت له؟.

ترددت لحظة ثم أجبتها: لم يكن لدي خيار. أنا مضطر للوقوف إلى جانب الشركة. سألته إذا كان يظن أن الخطاب كتبه أحد الفلاحين.

ظلت ترقبني بصبر.

(هز كتفيه باستخفاف) التقت عينانا: (أوه، باولا، إنني مشمئز من نفسي للعب هذا الدور).

قالت بنفاذ صبر: ماذا فعلت بعد ذلك.

(ضربت المكتب بقبضتي. هددته. سألته هل يعني له شيئا أأن يحمل الفلاحون بندقية آلية. ثم سألته إذا كان يعرف من الذي اخترع تلك البندقية الآلية.

هل كان يعرف؟.

(نعم ، لكني سمعت إجابته بصعوبة. قال إنه شخص روسي). بالطبع أكدت له أنه على صواب، أن المخترع شيوعي يدعى كلاشينكوف، ضابط ذو رتبة عالية في الجيش الأحمر. أقنعته أن الناس الذين كتبوا هذه الرسالة شيوعيون).

سألتني: (هل تعتقد أنت ذلك).

أوقفني سؤالها. كيف لي أن أجيبها بأمانة؟ تذكرت إيران وحين وصفني (يمين) كرجل معلق بين عالمين، رجل في المنتصف. بشكل ما، تمنيت أن أكون في ذلك المعسكر حين تعرض لهجوم فوق حرب العصابات، أو أكون واحدا من أفراد فرقهم. اعتراني شعور غريب، نوع من الغيرة من (يمين) والدكتور ومتمردي كولومبيا. أولئك رجال لديهم معتقدات راسخة. اختاروا عوالم حقيقية، وليسوا رجالا بلا أرض يقفون في المنتصف.

قلت له في النهاية: هذه وظيفتي، وإنما أؤدي عملي.

ابتسمت بلطف

واصلت كلامي قائلا: أكره هذا العمل، فكرت في وجوه الرجال التي تتراءي في ذهني على مدار سنوات، توم بين وغيره من أبطال حرب الاستقلال، والقراصنة وسكان الحدود. يقفون على الحافة، وليس في المنتصف. لقد اتخذوا مواقفا واضحة وتعايشوا مع عواقبها. كل يوم يزداد كرهي لوظفيتي.

أمسكت بيدي وقالت: لوظيفتك؟

تلاقت عينانا وظلت مغلقة. فهمت ما ترمي إليه: (لنفسي) ضغطت على يدي وأومأت ببطء.

شعرت سريعا بالارتياح، لمجرد الاعتراف بذلك.

(ماذا ستفعل يا جون؟).

لم تكن لدي إجابة. تحول الارتياح إلى دفاع. تلعثمت عندما حاولت سرد مبرراتي: كنت أحاول أن أفعل الصواب، و…حاولت اكتشاف طرق لتغيير النظام من الداخل، و…البديل القديم،

و…أنني إذا تركت وظيفتي فهناك شخص آخر سيحل محلي ربما يكون أسوأ مني. أستطيع أن أرى من نظرتها إلي أن هذا لم ينطلي عليها، بل أسوأ من ذلك، كنت أعرف أنني أيضاً لست مقتنعا بهذا. لقد أرغمتني على فهم الحقيقة، إنها ليست وظيفتي، إنما هو أنا نفسي، أنا من يستحق أن يوجه له اللوم.

في النهاية سألتني: ماذا عنك؟ قلت لها: ماذا تعتقدين؟.

تنهدت تنهيدة صغيرة وتركت يدي: أتحاول تغيير الموضوع.أومأت بالإيجاب

قالت موافقة: (ليكن. لا بأس. بشرط واحد، أننا سنعاود الحديث فيه يوما آخر). التقطت ملعقة وبدا كأنها تتفحصها: (أعرف أن بعض أفراد حرب العصابات تلقوا تدريبات في روسيا والصين) وضعت ملعقتها في الفنجان وراحت تحرك خليط القهوة واللبن ثم رفعتها ببطء ولعقتها، وقالت: (ماذا بوسعهم غير ذلك؟ فهم في حاجة لتعلم التعامل مع الأسلحة الحديثة وقتال الجنود الذين تعلموا الحرب في مدارسكم. أحيانا يبيعون الكوكايين للحصول على الدعم المالي. كيف يمكنهم أن يشتروا البنادق بغير ذلك؟ إنهم يواجهون اختيارات أحلاها مُر. فالبنك الدولي لا يساعدهم في الدفاع عن أنفسهم. إنه في الواقع يرغمهم على اتخاذ هذا الوضع.

رشفت رشفة من القهوة وأكملت: (أعتقد أن قضيتهم عادلة. فمد الكهرباء لن يساعد إلا قلة من الناس هم الكولومبيون الأثرياء، وبضعة آلاف سيموتون بسبب تسمم السمك والماء، بعدما تنهون بناء سدكم ذاك).

استمعت إليها وهي تتحدث بكل هذا العطف عن المناهضين لنا (ولي) وقد تخدر بدني.

ووجدت نفسي أحد ساعدي.

(كيف لك أن تعرفي كل هذا عن فرق العصابات؟) حتى حين سألتها، تملكتني الحيرة، وانتابني هاجس بأنني لا أرغب حقا في معرفة الإجابة.

قالت: (كان بعضهم زملائي في المدرسة) ترددت لحظة وهي تدفع الفنجان بعيدا عنها وقالت: (أخي منضم للحركة).

هكذا الأمر إذن. شعرت بالانكماش الشديد. كنت أظن أنني أعرفها عن قرب، لكن أخوها…؟! جالت في ذهني صورة رجل يعود لبيته ليجد زوجته في الفراش مع رجل آخر.

(كيف لم تخبريني من قبل؟)

(بدا لي أن الأمر لا يمت لعلاقتنا بصلة. لماذا أقول ذلك؟ هذا ليس مدعاة للتفاخر). صمتت ثم قالت: (لم أره منذ سنتين، فظروفه تضطره أن يكون شديد الحذر).

(كيف تعرفين أنه مازال على قيد الحياة؟).

(لا أعرف، ولكن عرفت مؤخرا أن الحكومة وضعت اسمه على قائمة المطلوبين. هذه علامة طيبة).

كنت أحيا صراعا لكوني قاضيا وجلادا في الوقت ذاته. تمنيت ألا تلاحظ حيرتي. سألتها: (كيف أصبح واحدا منهم؟).

لحسن الحظ، ثبتت عيناها على فنجان القهوة. (كان يتظاهر أمام مكاتب شركة بترول – شركة أوكسيدينتال على ما أظن – إحتجاجا على الحفر في أراضي السكان الأصليين، في غابة تضم قبيلة معرضة للانقراض. هاجمهم الجيش هو وأربعة وعشرين من أصدقائه، واعتقلهم وألقي بهم في السجن دون أن يقترفوا أية جريمة. فكر معي في الأمر، مجرد أنهم كانوا واقفين خارج ذلك البناء يلوحون بلافتات ويغنون)

ألقت نظرة خارج النافذة. (ظل في السجن ما يقرب من ستة شهور. لم يخبرنا أبدا بما حدث له هناك، لكنه حين خرج كان شخصا مختلفا).

كان ذلك أول حوار من نوعه مع باولا لكنه تكرر كثيرا بعد ذلك، والآن أعرف أن تلك الأحاديث رسخت الأوضاع للرحلة المقبلة في حياتي. كانت روحي ممزقة، ومع ذلك لا أزال محكوما بحافظة نقودي وبذلك الضعف الذي اكتشفته وكالة الأمن القومي NSA في شخصيتي في عام 1968 منذ عقد مضى.

(3)

تعليقات

comments

الأقسام: صحافة وترجمات