مؤلِّفُ كتاب ” الاغتيالُ الاقتصادي للأُمَـم” الأَكْثَر مبيعاً في العالم جون بركنز: كيف تستولي على دولة بأبحاث زائفة؟ (الحلقة الرابعة)

يعد الكتاب الذي بين أيدينا ،كتاب ” الاغتيال الاقتصادي للأمم، اعترافات قرصان اقتصاد “، من الكتب الصادمة، الذي تنشره “صحيفة المراسل” في حلقات متسلسلة لأهميته، حيث يكشف لنا ” جون بركنز ” كاتب الكتاب من خلال سرده لمذكراته كقرصان اقتصاد دولي، حقيقة وظيفته التي تعد من أخطر واندر الوظائف في العالم، وكيف يقومون بتوريط الدول النامية بالديون العالية المستندة إلى تقديرات اقتصادية من قبل هؤلاء القراصنة مبالغ فيها، وذلك بغرض نهب وتدمير اقتصاد هذه الدول، بهدف الحاقها بالسياسة الأمريكية وجعلها تابعة لها وغير قادرة على الإفلات منها.

يعرف ” بريكنز ” في مقدمة كتابة قراصنة الاقتصاد Economic Hit Men أو اختصاراً بـ EHM الذي هو واحد منهم بأنهم خبراء محترفون ذو أجور مرتفعة، مهمتهم سلب ملايين الدولارات بالغش والخداع من دول عديدة في جميع انحاء العالم، يحولون الأموال من البنك الدولي وهيئة المعونة الأمريكية (USAID) وغيرها من هيئات المساعدة الدولية، ليصبوه في خزائن الشركات الكبرى وجيوب حفنة من العائلات الثرية التي تسيطر على الموارد الطبيعية للكرة الأرضية. مستخدمين في ذلك وسائل اصطناع التقارير المالية، وتزوير الانتخابات، والرشوة، والابتزاز، والجنس، والقتل. يلعبون لعبة قديمة قدم عهد الإمبراطوريات، لكنها تأخذ أبعاداً جديده ومخيفة في هذا الزمن ،، زمن العولمة.

قسم ” جون بركنز ” كتاب إلى أربعة أجزاء تحتوى على خمسة وثلاثون فصلاً إضافة إلى مقدمة الكتاب وتصدير وخاتمته.

الفصل السادس: دوري كباحث

نصت عقودنا مع الحكومة الإندونيسية وبنك التنمية الآسيوي وهيئة المعونة الأمريكية على أن يزور أحد أفراد فريقنا كل مراكز الإسكان الكبرى في المناطق التي تشملها الخطة الرئيسة. قررت أن أنجز هذه المهمة بنفسي. كما قال تشارلي: “لقد استطعت أن تعيش في الأمازون وتستطيع التعامل مع الحشرات والثعابين والمياه الملوثة”.

زرت عديداً من الأماكن الجميلة وبصحبتي السائق والمترجم، وأقمت في أماكن موحشة وسيئة للغاية. التقيت برجال الأعمال والسياسيين المحليين واستمعت لآرائهم حول إمكانية النمو الاقتصادي.

ومع ذلك فقد وجدت معظمهم مترددين في إعطائي معلومات. بدوا مرعوبين من مظهري. قالوا لي بالحرف الواحد إنني ينبغي أن أراجع رؤساءهم ووكالاتهم الحكومية من خلال مراكزهم الرئيسة في جاكارتا. ارتبت أحياناً في وجود مؤامرة تحاك ضدي.

كانت هذه الرحلة قصيرة، عادة لا تتجاوز يومين أو ثلاثة. كنت أعود بين الرحلة والأخرى إلى الويزما في باندونج. كان لدى السيدة التي تدير شؤون المنزل ولد يصغرني بأعوام قليلة. اسمه رازمون، لكن الجميع عدا أمه كانوا ينادونه رازي. كان طالباً في كلية الاقتصاد في جامعة محلية، سرعان ما أبدى اهتمه بعملي. في الواقع، شككت أنه ربما كان يترب مني طلباً لوظيف. بدأ أيضاً يعلمني لهجة ملايو وهي اللغة الرسمية في إندونيسيا.

بعدما حصلت إندونيسيا على استقلالها عن الاستعمار الهولندي وضع الرئيس سوكارنوا في مقدمة اهتماماته بشؤون البلاد إيجاد لغة سهلة التعليم. فهناك أكثر من ثلاثمائة وخمسين لهجة يتحدث بها المواطنون في تلك الجزر، وقد أدرك سوكارنو أن لاده في حاجة لمفردات مشتركة لتوحيد الناس في كل هذه الجزر الكثيرة والثقافات المتعددة. جند لهذا الأمر فريقا علميا متخصصا في علم اللغات، وأسفرت جهودهم عن أن اللهجة الملاوية هي الأكثر نجاحاً ويتحدث بها سكان الأرخبيل الغربي لجزيرة ملايو، وتتميز بتجنب كثير من التغيير في زمن الفعل والافعال الشاذة وغير ذلك من الصعوبات والتعقيدات التي تتسم بها معظم اللغات الأخرى هناك.

في بدايات السبعينات من القرن العشرين كان أغلب الإندونيسيين يتحدثون بها، رغم أنهم استمروا في اعتمادهم على اللغة الجاوية وغيرها من اللهجات المحلية الأخرى داخل مجموعاتهم الصغيرة. كان رازي معلماً ممتازاً ذا حس فكاهي. ومقارنة بلغة شوار shuar أو حتى الإسبانية، كانت لغة الملايو سهلة.

كان لدى رازي دراجة نارية وقد تحمس لتعريفي بمدينته وأهله: “سأريك جانباً من إندونيسيا لم تره من قبل” هكذا وعدني ذات مساء وألح في طلبه أن أرب وراءه.

مررنا بعرض لعرائس خيال الظل، وموسيقيين يعزفون على الآت موسيقية تراثية، وأشخاص ينفخون في النار، وأشخاص يمارسون ألعابا سحرية، وباعة في الشوارع يبيعون كل ما يخطر ببالك، من الكاسيت الأمريكي المهرب إلى التحف النارة المصنوعة يدوياً ومحليا. في النهاية وصلنا إلى مقهى صغير يعج بالشباب والشابات، يرتدون ملابس وقبعات ويصففون شعورهم على طراز فريق البيتلز الموسيقي ف نهاية الستينيات من القرن العشرين، ومع ذلك، فكلهم إندونيسيون بلا أدنى ريب. قدمني رازي إلى مجموعة ملتفة حول مائدة وجلسنا معهم.

كانوا جميعاً يتحدثون الإنجليزية، مع تفاوت درجة إتقانهم لها، لكنهم قدروا محاولاتي في تعلم اللغة الملاوية وشجعوها. تحدثوا في هذا بصراحة وسألوني لماذا لا يتعلم الأمريكيون لغتهم، لم يكن لدي إجابة، ولم أستطع أن أفسر لهم لماذا أنا الأمريكي الوحيد أو الأوروبي الذي ذهب إلى هذا الجانب من المدينة، رغم وجود كثير منهم في نادي الجولف والراكيت والمطاعم الأنيقة، السينمات والمسارح، ومراكز التسوق عالية المستوى.

كانت ليلة لا تنسى. عاملني رازي وأصحابه كواحد منهم. استمتعت بإحساسي بالنشاط والخفة والسعادة الكبيرة بوجودي بينهم في هذا الجزي من مدينتهم، وبطعامهم وموسيقاهم، ورائحة سجائرهم التي يفوح منها عبير القرنفل، وغيرها من الروائح الطبية التي تشكل جزءا من حياتهم، والنكات والضحك الذي تبادلناه معا. كان الامر كأنما فيالق السلام تحوطني من جديد، ووجدت نفسي أتساءل لماذا فكرت في السفر في الدرجة الأولى فأعزل نفسي عن أناس مثل هؤلاء؟.

مع مضي الليل زاد اهتمامهم بمعرفة أفكاري عن بلادهم وعن الحرب التي خاضتها بلادي ضد فيتنام، كانوا جميعاً مرعوبين مما أشاروا إليه بوصفه “غزو غير شرعي” وشعروا بالراحة عندما اكتشفوا أنني أشاركهم مشاعرهم.

عدت ورازي للاستراحة التي أقيم فيها وكان الوقت متأخرا والظلام يسود المكان. شكرته كثيرا لدعوتي إلى عالمه، وشكرني على اندماجي مع أصدقائه. وتواعدنا أن نكرر هذه الزيارة مرة أخرى. تعانقنا، وتوجه كل منا إلى حجرته.

أثارت تلك التجربة شهيتي لقضاء المزيد من الوقت بعيداً عن فريق شركة “مين”. في الصباح التالي، كان من المقرر عقد اجتماع بيني وبين تشارلي وأخبرته أن مسعاي لجمع البيانات من الموظفين المحليين باء بالفشل وأصابني بالإحباط. علاوة على ذلك، معظم البيانات التي أحتاجها لتساعدني في القيام بالتوقعات الاقتصادية يمكن العثور عليها فقط في المكاتب الحكومية في جاكارتا. واتفقنا أنا وتشارلي على أنني في حاجة لقضاء أسبوع أو أسبوعين ف جاكارتا.

أبدى تعاطفه معي، لاضطراري لمغادرة باندونج والذهاب إلى العاصمة بجوها المشبع بالرطوبة، وتظاهرت بعدم الرغبة في الذهاب للعاصمة. بينما كنت بيني وبين نفسي متحمساً لهذه الفرصة التي سأخلو فيها بنفسي، وأكتشف جاكارتا وأقيم في فندق إنتركونتننتال إندونيسيا الأنيق.

مع ذلك، عندما عدت لجاكارتا مرة أخرى أكتشفت أنني أرى الحياة الآن من منظور مختلف. أحدثت تلك الليلة التي قضيتها مع رازي والشباب الإندونيسيين وكذلك طوافي في أجزاء مختلفة من البلاد – تغييرا في داخلي. وجدت أنني انظر إلى رفاقي من الأمريكيين نظرة مختلفة، ما عدت أرى زوجاتهم الشابات شديدات الحسن. حلقات السلسلة الحديدة التي تحيط بحمام السباحة والقضبان الحديدة خارج نوافذ الطوابق السفلية، التي بالكاد لاحظتها قبل ذلك، كل هذه الأشياء تبدو كئيبه، حتى الطعام في مطاعم الفندق الأنيق بدا لي بلا طعم.

أدركت أيضا في أثناء لقاءاتي مع رجال الأعمال والسياسيين ذلك المكر والدهاء في طريقة معاملتهم لي. لم أستوعب هذا من قبل، لكني الآن أرى الكثيرين منهم ممتعضين من وجودي. على سبيل المثال، عندما يقدمني أحدهم للآخر، فإنهم يستخدمون غالبا تعبيرات من اللغة الملاوية والتي وفقا لترجمتي تعني المحقق أو الباحث. لذلك تحاشيت عن عمد أن أكشف معرفتي بلغتهم، حتى المترجم الخاص بي لم يعرف أكثر من أنني استطيع فهم مجموعة تعبيرات دارجة، وغالباً ما كنت أرجع بعد مغادرتي إلى قاموس “ملاوي – إنجليزي”.

هل كانت تلك التعبيرات المستخدمة لوصفي مجرد تطابق في اللغة يحدث مصادفة؟ أم تفسير خاطئ لقاموسي؟ حاولت إقناع نفسي أن الأمر كذلك. ومع ذلك كلما قضيت وقتا مع أولئك الأشخاص ازددت اقتناعا بأنني أتطفل عليهم، ذلك أنهم صدر لهم أمر من شخص ما بالتعاون معي، ولم يعد أمامهم من مجال للاختيار سوى الإذعان للأمر. لم تكن لدي أية فكرة عما إذا كان هذا الآمر مسئولاً حكومياً أم صاحب بنك أم جنرالا من الجيش، أو حتى إذا كانت السفارة الأمريكية هي التي أصدرت هذا الأمر. كل ما عرفته أنه رغم حسن استقبالي في مكاتبهم، ودعوتي إلى شرب الشاي وإجابتهم عن اسئلتي بطريقة مهذبة، وترحيبهم كل لترحاب ظاهرياً بوجودي – فتحت السطح ثمت ظلال للتسليم بأمر لا مفر منه وللشعور بالضغينة.

الأمر الذي جعلني أتساءل، عن مدى صدق إجاباتهم عن أسئلتي وعن مدى صحة المعلومات التي يقدمونها لي. على سبيل المثال، لم يكن يسمح لي بدخول مكتب أحدهم ولقائه بصحبة المترجم الذي يترجم لي، فعلينا أولاً أن نرتب موعدا للمقابلة، ذلك في حد ذاته ليس أمرا غريبا، غير أنه يستنفد وقتا كبيرا. ذلك أن أجهزة التليفون نادرا ما تعمل، لذلك نضطر للذهاب السيارة في شوارع مزدحمة، كثيرة الانعطافات والالتواءات لدرجة أن الوصول لمبنى يبعد عنا عدة مبان ربما يستغرق ساعة. وعندما نصل إليه، يطلب منا ملء استمارات كثيرة. في النهاية، يظهر لي سكرتير مهذب، وعلى وجهه تلك الابتسامة المجاملة التي يشتهر بها أهل جاكارتا، ويسألني عن نوع المعلومات التي أريدها، ثم يحدد موعدا للقاء.

في كل الأحوال، كان يحدد موعد اللقاء هذا على الأقل بعد عدة أيام، وعندا يحين أخيرا يناولني ملفا به مادة معدة. أعطاني أصحاب المصانع خططا لمدة خمس أو عشر سنوات، وأعطاني أصحاب البنوك مخططات وجداول بيانية، وأمدني المسئولون الحكوميون بقوائم للمشروعات التي توشك أن تدخل حيز التنفيذ لتصبح محركات للنمو الاقتصادي. كل ما أمدني به أولئك الأشخاص من مسئولين ماليين وحكوميين، وكل ما قالوه خلال لقاءاتي بهم، كان يشير إلى أن جاوة تقيم موازناتها ربما لتحقق أكبر نمو اقتصادي عرفته من قبل. ولم يشكك ولو شخص واحد في الدلالات المتفائلة لهذه الإحصاءات ولا قدم لي ما يناقضها. ومع ذلك، عندما اتجهت قاصدا باندونج، وجدت نفسي أتساءل عن كل ما عايشته. شيء ما كان يقلقني بشدة، فقد كان كل ما فعلته في إندونيسيا يشبه اللعبة أكثر مما يشبه الحقيقة. كان الأمر كما لو كنا نمارس لعبة البوكر وقد أخفينا أوراق اللعب ولم نستطع أن نتبادل الثقة، أو أن يؤثر أحدنا الآخر بالحصول على معلومات موثوق فيها. مع ذلك، كان تهذه اللعبة جادة تاما، وسيؤثر ما ستسفر عنها في ملايين الأشخاص لعقود مقبلة.

 

الفصل السابع : محاكمة الحضارة

قال رازي بابتسامة تملأ وجهه: “سآخذك إلى دالانج، إنه أعظم أساتذة مسرح العرائس في إندونيسيا”، كان من الواضح أنه سعيد لعودتي إليه من باندونج.

“هذه الليلة هناك واحد من أهم مخرجي مسرح العرائس في مدينتنا”.

قاد دراجته النارية وأنا خلفه عبر أجزاء من مدينته لم أكن أعرف بوجودها، ورغم امتلاء مناطق كبيرة منها ببيوت جاوة التقليدية التي يطلق عليها اسم كامبونج، وهي تبدو كأنها نسخ مصغرة جدا من المعابد ومسقوفة بالبلاط الصغير، وأصحابها فقراء – فإنني بدأت أدرك أننا ابتعدنا كثيرا عن البيوت الفخمة التي يناها الاستعمار الهولندي ومباني الحكومة.

كان من الواضع أن سكان هذه المنقطة فقراء، ومع ذلك فهم يشعرون بالفخر الشديد بأنفسهم. يرتدون ملابس بالية، لكن سارونجاتهم المزركشة نظيفة، وبلوزاتهم ملونة بألوان فاقعة، يعتمرون قبعات من القش ذات حواف عريضة. حيثما حللنا كنا نقابل بالترحيب والابتسامات والضحكات، وحين وقفنا اندفع الأطفال ليلمسوني ويتحسسوا قماش بنطالي الجينز. اقتربت فتاة صغيرة وغرزت في شعري عنقوداً من ازهار الياسمين الهندي العطر.

تركنا الدراجة على الرصيف قرب المسرح، حيث جتمع مئات من البشر، بعضهم وقوفا، وآخرون يجلسون على مقاعد نقالة. كان الليل صافياً وجميلا. رغم أننا كنا في قلب أقدم منطقة سكنية في باندونج، لم يكن هناك مصابيح في الشوارع، لذلك انعكس ضوء النجوم مشعا فوق رؤوسنا. كان الهواء معبأ بروائح الخشب المحترق والفستق ونبات القرنفل.

اختفى رازي داخل هذا الحش من الناس، لكنه سرعان ما عاد بصحبة بعض الشباب الذين التقينا بهم في المقهى. قدموا لي شايا ساخنا وبعض الكعك وطعام الساتي وهو عبارة عن قطع صغيرة جدا من اللحم المطهو في زيت الفستق . ولابد أنني بدى علي التردد في تناول الساتي، فأشارت واحدة من النسوة إلى نار صغيرة وقالت ضاحكة: “إنه لحم طازج، لقد طهوناه الآن”.

ثم بدأت الموسيقا تنساب من آلة الجامالونج السحرية المغرقة في الخيال، التي تبعث أصواتا تشبه أجراس المعابد. همس رازي في أذني: “الدالانج يعزف الموسيقا بنفسه. ويصنع أيضا كل العرائس ويتحدث بأصواتها جميعا وبلغات متعددة. سنترجم لك ما يقوله”.

كان عرضا مشوقا، يجمع بين الأساطير التراثية والأحداث المعاصرة. عرفت فيما بعد أن الدالانج هو الشامان الذي يؤدي عرضه في حالة تتغشاه بين الصحو  والمنام. كان لديه أكثر من مائة دمية وكان يتحدث عن كل واحدة بصوت مختلف. كانت ليلة لن أنساها أبدا، ليلة أثرت في حياتي بعد ذلك.

بعد عرض مختارات كلاسيكية من النصوص القديمة من الرامايانا، قدم الدالانج دمية تصور ريتشارد نيكسون، تشبهه تماما بأنفه الكبيرة وفكه المتدلي. كانت الدمية التي تمثل رئيس الولايات المتحدة الأمريكية يرتدي ملابس العم سام، على هيئة علم أمريكا بنجومه وخطوطه. كانت معه دمية أخرى ترتدي حلة مخططة من ثلاث قطع. تحمل الدمية الثانية في يدها دلوا مزخرفا برسم الدولارات. واستخدمة الدمية يدها الثانية في التلويح بعلم أمريكي على رأس الدمية التي تمثل نيكسون كما لو خادما يهوي على رأس سيده”.

ظهرت خلف الدميتين خريطة للشرق الأوسط والشرق الأدنى، وقد علقت البلاد المختلفة بخطاطيف في المواضع المناسبة لأماكنها. سرعان ما اقترب نيكسون من الخريطة، رفع فيتنام من الخطاف ووضعها في فمه. صرخ بكلمات ما ترجموها لي هكذا: “مرة . زبالة . لا نريد لامزيد من هذا” ثم ألقى بها في جيبة. واستمر يفعل الأمر نفسه مع البلاد الأخرى.

على أية حال، أدهشني أن اختياراته التالية لم تشمل البلاد التي يسيطر عليها في جنوب شرق آسيا. بل على العكس كانت كل البلاد من دول الشرق الأوسط، كفلسطين والكويت والسعودية والعراق وسوريا وإيران بعد ذلك تحول إلى باكستان وأفغانستان. كل مرة تصرخ دمية نيكسون ببعض الجمل المزعجة قبل أن تسقط الدولة في الدلو، وفي كل مرة يتفوه بكلمات قدح وذم ضد الإسلام: “المسلمين الكلاب، وحوش محمد، المسلمين الشياطين”.

سيطر الحماس على الجماهير بشدة، كان يزداد حدة مع كل بلد جديد يضيفه إلى دلوه. تنازعتهم نوبات الضحك والمفاجأة والغضب. انتابني في لحظات إحساس أنهم يستمدون شعورهم بالسخط من لغ عارض العرائس. كذلك شعرت بالخوف، فنهضت مغادراً دار العرض، ولما كنت أطول منهم جميعا بما يستلفت الانتباه، خشيت أن يوجهوا غضبهم نحوي. ثم قال نيكسون شيئا ما أفزعني حتى كاد يشيب رأسي حين ترجمه لي رازي:

“أعط هذا للبنك الدولي. وانظر إن كان سيفيدنا ببعض الأموال من إندونيسيا” ورفع إندونيسيا من على الخريطة واسقطها في الدلو، لكن في تلك اللحظة تماما وثبت دمية من الظل تمثل رجلا إندونيسيا، يرتدي قميصا مشجرا وبنطالا فضفاضا باللون الكاكي ويضع علامة مع اسمه من الواضح أنها طبعت عليه. فسر لي رازي الأمر على أنها شخصية سياسية من باندونج. قفزت هذه الدمية تماما بين نيكسون والرجل صاحب الدلو ومسكت بيده وصاحت: “توقف ! إندونيسيا مستقلة”.

صفقت الجماهير استحسانا. ثم رفع رجل الدلو علمه ولقاه مثل رمح على الشخص الإندونيسي، الذي ترنح ومات ميتة دراماتيكية وصاحت الجماهير صيحات ازدراء واستهجان واحتقار وتعالى الصياح بينهم وهم يلوحون بقبضات ايديهم. كان هناك نيكسون ورجل الدلو ينظران إلينا. انحنيا وغادرا المسرح.

قلت لرازي : “أظنني يجب أن أرحل”.

وضع يده على كتفي ليحميني وقال: “لا بأس. ليس لديهم شيء شخصي ضدك” لكني لم أكن واثقا من ذلك.

فيما بعد عدنا للمقهى. أكد لي رازي والآخرون أنهم لم يكونوا على علم أنه سيقدم مشهدا هزليا عن نيكسون والبنك الدولي. قال شاب من بينهم معلقا: “لن تعرف أبدا ما يمكن أن يعرضه محرك العرائس”.

تساءلت بصوت عال عما إذا كان هذا المشهد قد قدم على شرف وجودي، ضحك أحدهم وقال إنني مرور بدرجة كبيرة، وأضاف وهو يربت على ظهري بمودة: “مثل كل الأمريكيين”.

قال الرجل الجالس بجواري: “الإندونيسيون لديهم وعي شديد بالسياسة” ألا يذهب الأمريكيون إلى مثل هذه العروض؟”.

كانت شابة جميلة، وهي طالبة في كلية الآداب قسم اللغة الإنجليزية، جلست إلى المائدة أمامي، سألتني : “لكنك تعمل في البنك الدولي. أليس كذلك؟”.

أخبرتها أن مهمتي الحالية خاصة ببنك التنمية الآسيوي وهيئة المعونة الأمريكية قالت: “أليسوا في الحقية كلهم سواء؟” ولم تنتظر إجابة: “أليس ذلك شبيها بالعرض الذي رأيناه الليلة؟ ألا تنظر حكومتك إلى إندونيسيا وغيرها من البلاد كما لو كانوا عنقودا من …”.

كانت تبحث عن الكلمة المناسبة. ساعدها واحد من أصدقائها: “العنب”.

“تماما، عنقود عنب. يمكنك أن تلتقطه وأن تختار ما يحلو لك. تحتفظ بإنجلترا. تأكل الصين. تلقي بإندونيسيا”.

أضافت امرأة أخرى: “بعدما تأخذ كل بترولنا”.

حاولت أن أدافع عن نفسي، لكني كنت غير مؤهل للرد. أردت أن أتفاخر بذهابي لهذا الجزء من البلدة وبقائي لمشاهدة عرض كامل ضد الولايات المتحدة الأمريكية، ذلك العرض الذي كان من المحتمل أن أفرسه على أنه إهانة شخصية. أردتهم أن يدركوا شجاعة ما فعلته، وأن يعرفوا أنني العضو الوحيد من فريقي الذي اهتم بتعلم اللغة المالاوية، والوحيد الذي لديه الرغبة في استيعاب حضارتهم. أردت أن أوضح أنني كنت الأجنبي الوحيد الذي حضر هذا العرض. لكني قررت أنه من الأفضل أن أكون أكثر حكمة في التعامل مع الأمر، وألا أتحدث في أي شيء من هذا . بل بدلاً من ذلك حاولت أن أدفعهم لتغيير موضوع الحوار، سألتهم لماذا في رأيهم اختار الدالانج البلاد الإسلامية، عدا فيتنام.

ضحكت طالبة اللغة الإنجليزية الجميلة، وقالت: “لأن هذه هي الخطة”. تدخل أحد الحاضرين في الحديث قائلا: “فيتنام مجرد خطوة على الطريق مثلما كانت هولندا بالنسبة للنازيين. موقع جيد للتقدم إلى هدف معين”.

واصلت الشابة كلامها: “الهدف الحقيقي هو العالم الإسلامي”.

لم أستطع تفويت هذه الجملة دون إجابة، فاعترضت قائلا: “مؤكد أنك لا تعتقدين أن الولايات المتحدة الأمريكية ضد الإسلام”. فسألت: “حقاً! منذ متى؟! أنت في حاجة لقراءة أحد مؤرخيكم، إنه بريطاني واسمه توينبي. تنبأ في الخمسينيات أن الحرب الحقيقة في القرن القادم لن تكون بين الشيوعيين والرأسماليين بل بين المسيحيين والمسلمين”.

قلت مصعوقاً: “آرنولد توينبي قال ذلك؟”.

“نعم. اقرأ كتاب محاكمة الحصارة وكتاب العالم والغرب”

سألت: “لكن ما الذي يدعو لمثل هذا العداء الشديد بين المسلمين والمسيحيين؟”.

تبادلوا النظرات حول المائدة. ويبدوا أنهم اكتشفوا أنه من الصعب تصديق أني سألت بالفعل مثل هذا السؤال الأحمق.

قالت ببطء، كما لو كانت تخاطب شخصا بطيء الفهم أو ضعيف السمع: “لأن الغرب وخاصة تحت قيادة أمريكا قد قرر أن يسيطر على كل العامل، لكي يصيح أكبر إمبراطورية في التاريخ. إنهم بالفعل قريبون جدا من تحقيق ذلك، فحاليا يقف الاتحاد السوفيتي في طريقها، لكن السوفيت لن يصمدوا. استطاع توينبي أن يتنبأ بذلك. فليس لديهم دين، ولا إيمان، ولا جوهر وراء أيديولوجيتهم. والتاريخ يبرهن أن روح الإيمان والاعتقاد بوجود قوى غيبية أمر ضروري. نحن المسلمين لدينا هذا الإيمان أكثر من أية أمة أخرى في العالم، وأكثر حتى من المسيحيين، لذلك نحن ننتظر. وستنمو قوتنا وتكبر”

قاطعها أحد الرجال مؤيدا لرأيها: “سنأخذ وقتنا. ثم ننقض مثل الحية”.

كبحت نفسي بصعوبة وقلت: “يا لها من فكرة مروعة. ما الذي يمكننا أن نفعله لتغير هذا؟”.

نظرت طالبة اللغة الإنجليزية في عيني مباشرة وقالت: “أن تكفوا عن جشعكم وأنانيتكم. أن تدركوا أن هناك في العام أمورا أكثر أهمية من بيوتكم الكبيرة ومتاجركم الخرافية، هناك أناس يموتون جوعا، وأنتم لا يسغلكم سوى البترول من أجل سياراتكم، هناك أطفال رضع يموتون عطشا وأنتم تبحثون عن مجلات الأزياء من أجل أحدث الصيحات في عالم الموضة، هناك أمم مثل أمتنا غارقة في الفقر، وشعوبكم لا تسمع حتى صرخاتنا طلباً للنجدة. لقد صممتم آذانكم عن أصوات هؤلاء الذين يحاولون أن يخبروكم عن هذه الأمور، نعتموهم بأنهم راديكاليون أو شيوعيون. ينبغي أن تفتحو قلوبكم للفقراء والمسحوقين، بدلا من أن تدفعوهم أكثر نحو الفقر والعبودية. لم يعد هناك الكثير من الوقت، إذا لم تتغيروا ستحكمون على أنفسكم بالهلاك”.

بعد مضي عدة أيام، قتل رجل السياسة المعروف في باندونج – الذي وقفت الدمية التي تمثله لنيكسون وقتلتها دمية رجل الدلو – على يد سائق سيارة تمكن من الهرب بعد ارتكاب الحادث.

 

 

 

(10)

تعليقات

comments

الأقسام: صحافة وترجمات