مؤلِّفُ كتاب ” الاغتيالُ الاقتصادي للأُمَـم” الأَكْثَر مبيعاً في العالم جون بركنز: هكذا سيطرت أمريكا على إندونيسيا (الحلقة الثالثة)

المراسل|كتب:

كانت مخيلتي تموج بصورة رومانسية عن إندونيسيا، ذلك البلد الذي سأعيش فيه الشهور الثلاثة المقبلة. بعض الكتب التي قرأتها شاهدت فيها صوراً لنساء جميلات يرتدين “سارنج” ملونا بألوان فاقعة، وصور راقصات عاريات من بالي وكذلك صور الشامانات، ينفخون في النار وصور المحاربين يجدفون في زوارق الكانو الطويلة الضيقة المصنوعة من جذوع أشجار مفرغة، تسبح على مياه بلون الزمرد الأخضر تحت براكين يتصاعد منها الدخان. أما ما أدهشني بشكل خاص فهو مجموعة صور لسفن ضخمة مهيبة، كان يستخدمها في القرون الماضية قراضنة “بوجي” سيئو السمعة.

رأيت هذه الجزر التي كانت تثير الرعب في نفوس البحارة الأوروبيين الأوائل حتى أنهم كانوا إذا عادوا إلى بيوتهم يخيفون أطفالهم قائلين: “كونوا مهذبين وإلا سيختطفكم رجال بوجي الأشرار”. أثارت هذه الصورة في روحي أنفعالات شتى عن تاريخ هذا البلد وأساطيره العجيبة من آلهة غاضبة، وتنانين كومودور، وسلاطين القبائل. حكايات قديمة موغلة في الزمن قبل ميلاد المسيح، استطاعت أن تعبر جبال آسيا والصحاري الفارسية، وعبر البحر الأبيض المتوسط لتغرس نفسها في عمق وعينا الجمعي، حتى اسماء جزرها الأسطورية (جاوة، سومطرة، بروناي، سولاويسي) تغرق في أجمل بقعة في خيالنا، إنها أرض التصوف الغامض والأسطورة والجمال المثير، إنها كنز مراوغ يبحث عنه العالم لكن لم يصل إليه حتى كولومبوس. أميرة يتودد إليها العشاق ويغازلونها لكنها لم تمنح نفسها لا لأسبانيا ولا هولندا ولا اليابان ، ظلت محض خيال وحلم.

كانت آمالي عظيمة، ربما في عظم آمال المستكشفين الكبار مثل كولومبوس، ومثله كان يجب علي كبح خيالاتي. ربما علي أن أدرك أن ما يلمع في نهاية طريقنا ليس دائما هو ما تصورناه في البداية. بدت لي إندونيسيا أرض السحر والعجائب، ورغم ذلك خاب أملي في أن أجد بها علاجاً لما تعانية نفسي من آلام.

كان القبح حاضراً على الجانب المأساوي من المدينة؛ مرضي الجذام يتسولون بمد ما تبقى من أطرافهم التي أكلها المرض، وفتيات صغيرات يعرضن اجسادهم مقابل حفنة من نقود. القنوات التي حفرها الهولنديون وكانت في يوم ما مشهداً رائعا صارت الآن كبالوعات قذرة، تمتد بطول ضفاف القنوات الداكنة، تحيط بها الروائح الكريهة وأصوات أبواق السيارات.

بدت مدينة ممتزجة بالجمال والقبح، بالأناقة والسوقية، بالروحانيات والفحش، تلك هي جاكارتا، حيث تناضل رائحة نباتات القرنفل دائمة الخضرة وبراعم أزهار الأوركيديا ضد النتن المنبعث من قاع المدينة.

لم يكن هذا الفقر غريباً علي؛ فبعض زملائي في الدراسة في هامبشاير كانوا يعيشون في أكواخ مغطاة بورق غليظ مكسو بالقار ليقيها من المطر، ويأتون للمدرسة مرتدين معاطف خفيفة وأحذية رياضية مهترئة في أقصى أيام الشتاء برودة، وتنبعث من أجسادهم التي بعد عهدها بالاستحمام رائحة يختلط فيها العرق القديم والعائط. وقد عشت في أكواخ من الطين مع فلاحين جبال الإنديز الذين لا يزيد طعامهم عن القمح الجاف والبطاطس، وحيث يبدو للمرء أحياناً أن احتمالات وفاة الوليد الجديد تقارب احتمالات مولده. نعم رأيت الفقر، لكن من وجهة نظري لا شيء يقارن بفقر جاكارتا.

بالطبع سكن فريقنا في أفضل فنادق المدينة في إحدى الضواحي، في فندق إنتركونتننتال إندونيسيا الذي تمتلكه شركة الطيران الأمريكية بأن أمريكا Pan Amrican، هو على طراز سلسلة فنادق إنتر كونتننتال المنتشرة حول العالم والدرجة نفسها، فندق يرضي ذائقه الاجانب الأثريا، وخاصة المديرين التنفيذيين لشركات البترول وعائلاتهم. وفي مساء اليوم الأول لنا في الفندق، دعانا شارلي إيلينجورث Charlie IIIingworth مدير مشروعنا لتناول العشاء في مطعم كان تشارلي خبيراً في أصول الحرب، كرس معظم وقت فراغه لقراءة كتب التاريخ والروايات التاريخية التي تحكي عن القواد العسكريين العظام والمعارك الحربية، كان نموذجاً للجندي المؤيد لحرب فيتنام دون مشاركة فعلية فيها. تلك الليلة، كان كعادته يرتدي بنطالا من اللون الكاكي وقميصا بأكمام قصيرة من اللون نفسه وعلى كتفيه رتبته العسكرية. رحب بنا، ثم اشعل سيجارا، وقال وهو يتنهد رافعاً يده بزجاجة الشمبانيا: “نخب الحياة السعيدة”. شاركناه النخب “نخب الحياة السعيدة” ورنت الكئوس عالياً. غلَّفه دخان السيجارا. حملق تشارلي حول القاعة وقال وهو يهز رأسه مؤكداً ما يقوله: “سيدللوننا هنا حتى التخمة. سيعتني بنا الإندونيسيون عناية فائقة وكذلك سيعتني بنا العاملون في السفارة الأمريكية. لكن لا تنسوا أننا بصدد مهمة يجب أن ننجزها” وخفض بصره ناظراً إلى حفنة بطانيات بها ملاحظات وأكمل: “نعم، نحن هنا لتطوير خطة أساسية لكهرباء جزيرة جاوة، البلد الأكثر ازدحاماً بالسكان في العالم. لكن هذا ليس أكثر من مجرد قمم صغيرة لجبل الجليد المختفي”.

اكتست تعبيراته سمت الجدية، ذكرني بجورج س.سكوت وهو يلعب دور الجنرال باتون، أحد أبطال تشارلي المفضلين، قال: “نحن هنا لن ندخر وسعاً في إنقاذ هذا البلد من مخالب الشيوعية. كما تعرفون، عانت إندونيسيا تاريخا مأساوياً طويلا . والآن، حانت الساعة التي ترغب فيها في مساعدة نفسها على الانطلاق لتضع قدمها في القرن العشرين، إنها على المحك مرة أخرى. وتكمن مسئوليتنا في التأكد من أن إندونيسيا لن تقع تحت أقدام جيرانها الشماليين مثل فيتنام وكمبوديا ولاوس. إن إتاحة استخدام الكهرباء لجميع سكانها هو أساس إنجاح هذه المهمة. ذاك أن استخدام الكهرباء كوقود ومصدر للطاقة يعلو على أي عامل سواه في خطورته وأهميته للتأكد على سيادة الرأسمالية والديمقراطية في هذا البلد، باستثناء عامل مهم آخر مثل البترول”.

عند ذكره البترول نفث دخان سيجاره، ثم التقط بطاقتين من بطاقات الملاحظات التي أمامه وأكمل: “نحن جميعا نعمل إلى أي مدى تعتمد بلادنا على البترول. ويمكن لأندونيسيا أن تكون ذات فائدة كبيرة في هذا الشأن. لذلك حين تبدأون في العمل على إنجاز هذه الخطة الرئيسية. برجاء بذل كل ما في وسعكم للتأكد أن صناعة البترول وكل الصناعات المرتبطة بها مثل شركات الملاحة والموانئ وخطوط الانابيب وشركات التعمير والبناء ستحصل على كل ما تحتاجه من الطاقة الكهربائية خلال السنوات الخمس والعشرين التي تستغرقها الخطة”.

رفع عينية عن بطاقات الملاحظات، ونظر نحوي مباشرة وقال: “أن يكون خطوك بالزادة أفضل من أن يكون بالنقص. لا أظنك تريد أن تخضب يديك بدماء الأطفال الإندونيسيين أو حتى أطفالنا الأمريكيين. ولا تريد لهم أن يحيوا تحت المطرقة والمنجل أو تحت علم الصين الأحمر!”.

دخلت إلى فراشي تلك الليلة آمنا من رفاهية جناح فاخر في الفندق، وجالت بخاطري صورة كلودين. طاردتني مناقشاتها حول الديون الأجنبية. حاولت تهدئة نفسي بتذكر الدروس التي تعلمتها في محاظرات علم الاقتصاد في كلية الاقتصاد. في نهاية الأمر، قلت لنفسي، أنا هنا لمساعدة إندونيسيا على الخروج من حيز الاقتصاد المتخلف المنتمي للقرون الوسطى وأن تأخذ مكانها في عالم الاقتصاد المعاصر. لكني أدركت أنني في الصباح سأرى من نافذتي عبر رفاهية حدائق الفندق وحمامات السباحة – تلك الأكواخ الحقيرة المنتشرة على بعد أميال من ذلك المشهد، وأعلم أن فيها رضعاً يموتون جوعاً أو لعدم وجود المياة النقية، ومثلهم أيضاً أطفال وراشدون يعانون أمراضاً فتاكة ويعيشون فقراً مرعبا.

ظللت أتقلب في فراشي، وجدت أنه من الاستحالة إنكار أن تشارلي وجميع أفراد فريقنا موجودون هنا لأسباب أنانية شخصية. كنا نناصر السياسة الخارجية للولايات المتحدة ومصالح الشركات المتعددة الجنسيات، مدفوعين بالجشع الذي يمحوا أية رغبة في تحسين ظروف حياة الآغلبية الساحقة من المواطنين الإندونيسيين. قفزتت في ذهني كلمة كروبوقراطية corporatocracy . لم أكن واثقا مما إذا كنت سمعتها من قبل أم أنني اخترعتها من تلقاء نفسي؟ لكنها بدت قادرة على أن تصف بدقة شديدة النخبة الجديدة التي قررت السعي للسيطرة على كوكب الأرض.

إنها منظومة متماسكة من أشخاص معدودين لهم أهداف مشتركة، وأعضاء هذه المنظومة ينتقلون بسهولة بين عضوية مجالس إدارات الشركات الضخمة والمناصب الحكومية. صدمت عندما تذكرت أن رئيس البنك الدولي الحالي روبرت مكنمار، يعد نموذجاً مثالياً لذلك. فقد انتقل من منصبه كرئيس لشركة سيارات فورد إلى وزير الدفاع في عهدي الرئيس كنيدي والرئيس جنونسون، والأن يقف على رأس أكبر مؤسسة مالية في العالم.

راعني كذلك أن فطن إلى أن أساتذتي في الجامعة لم يكونوا على فهم صائب لطبيعة علم الاقتصاد الشامل، ذلك أنه في كثير من الأحوال لا تسفر عمليات تقوية الاقتصاد وتنميته إلا عن إثراء أولئك القلة من الأشخاص الذين يتربعون فوق قمة الهرم الأكثر ثراء في العالم، بينما لا تقدم شيئاً لأولئك المطمورين في القاع سوى أن تدفعهم لمزيد من الفقر. فإنه في الحقيقة، ينبثق عن تشجيع وانتشار الرأسمالية نظام شبيه بنظام المجتمعات الإقطاعية في القرون الوسطى. إذا علم بهذا أي من أساتذتي فلن يعترف به؛ ربما لأن الشركات الكبرى ومن يديرونها يدعمون تلك الكليات ماديا. بلا أدنى شك، فإن كشف هذه الحقيقة قد يكلف هؤلاء الأساتذة وظائفهم، تمام مثلما قد يكلفني أنا أيضاً وظيفتي.

ظلت هذه الأفكار تقلق مضجعي طوال الليالي التي قضيتها في فندق إنتر كونتننتال في إندونيسيا. في نهاية الأمر، حاولت أن أجد لنفسي مبرراً في أن طريقي لم يكن ممهداً فقد شققت طريقي وكافحت كفاحا مريراً بداية من بلدتي الصغيرة في نيوهامبشاير ثم المدرسة الإعدادية وإفلاتي من التجنيد وحدوث كل ذلك من خلال مجموعة من الصدف والعمل الشاق في آن واحد، فأوجدت لنفسي مكانا في حياة كريمة. وارتحت لفكرة أنني أقوم بأعمال محترمة من وجهة نظر الثقافة التي أنتمي إليها. وكنت في طريقي إلى أن أصبح رجل اقتصاد ناجحا ومحترما. كنت أفعل ما أعدتني له كلية الاقتصاد التي درست فيها. كنت أساعد في تنمية نموذج اعتمدته أفضل عقول في العالم.

ومع ذلك، فغالبا ما كنت أواسي نفسي كل ليلة وآخذ عليها عهدا أن أكشف الحقيقة يوم ما. أحاول بعدها أن أغالب الأرق بالقراءة، فأقرأ روايات لويس لامور عن رعاة البقر في الغرب الأمريكي.

عقد مع الشيطان:

قضى فريقنا المكونمن أحد عشر رجلاً ستة أيام في جاكارتا لتسجيل أسمائنا في السفارة الأمريكية، ومقابلة موظفين مختلفين وتنسيق العمل بيننا والاسترخاء أمام حمام السباحة. دهشت لعدد الأمريكيين الذين يقيمون في فندق إنتر كونتننتال، وسعدت سعادة بالغة برؤية الشابات الجميلات زوجات موظفي شركات البترول الأمريكية وشركات البناء والتعمير – يمضين نهارهن في حمام السباحة وأمسياتهن في احد المطاعم الستة الأنيقة داخل الفندق وخارجه.

ثم نقل تشارلي فريقنا إلى مدين باندونج الجبلية. كان الطقس آلطف والفقر أقل وضوحا أمام العين، ومجالات اللهو والتسلية أقل. أقمنا فس استراحة حكومية للضيوف تعرف باسم ويزما wisma ، كانت مكتملة الخدمات من حيث وجود مدير وطاه وبستاني وطاقم من الخدم. بنيت هذه الاستراحة أثناء فترة الاستعمار الهولندي، كانت وقتها ملجأ. كانت شرفتها الواسعة تواجه مزارع الشاي الممتدة فوق التلال الدائرية وفوق منحدرات جبال جاوة البركانية. وبالإضافة للمسكن، أعطونا أحد عشرة سيارة توتوتاـ  بكل سبارة سائق ومترجم، وحصلنا على عضوية نادي باندونج للجولف والراكيت، ومكاتب للعمل في الجناج الإداري في المركز الرئيسي المحلي لشركة الكهرباء الحكومية (PLN).

بالنسبة لي تضمنت الأيام الأولى من إقامتي في باندونج سلسلة من اللقاءات مع تشارلي وهاوارد باركر، كان هاوارد في السبعين من العمر، وقد تقاعد من منصب كبير خبراء تقدير الأحمال الكهربائية في محطات الكهرباء في نيو إنجيلاند. ويعمل الآن في تقدير كميات الطاقة الكهربائية التي تحتاجها جزيرة جاوة لخمس وعشرين سنة قادمة، بالإضافة لتقسيم هذا الحمل المتوقع على المدن والمناطق المختلفة.

ولأن الاحتياجات الكهربائية ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالنمو الاقتصادي، تعتمد تقديراته على تنبؤاتي الاقتصادي. أما بقية الفريق الذي يعمل معي فعلية تطوير الخطة الرئيسة بناء على هذه التقديرات، واختيار تصميم محطات الكهرباء وخطوط نقل الطاقة وتوزيعها، وكذا شبكات توزيع الغاز والبترول بطريقة تتوافق مع تصميماتنا وبأقصى كفاية ممكنة. راح تشارلي طوال مقابلاتنا يؤكد على أهمية مهمتي، ويواصل تذكيري بإلحاح بضرورة أن أكون شديد التفاؤل في تقديراتي. لقد كانت كلودين على حق، فمفتاح الخطة الرئيسة برمتها في يدي.

ثم أعلمني تشارلي أن الأسابيع القليلة الأول هنا لا تخرج عن حيز جمع المعلومات.

كنا نجلس أنا وهو وهاوارد على مقاعد كبيرة من نبات الروتان الاستوائي في مكتبه الخاص الفخم. كانت الحوائط مزخرفة بقماش مطبوع برسوم وصور تحكي حكايات ملحمية من نصوص هندوسية قديمة. أخذ تشارلي ينفث دخان سيجارة الضخم، ويقول: “على المهندسين تقديم صورة تفصيلية عن النظام الكهربائي الحالي وإمكانيات المالحة والطرق والسكك الحديدة،كل هذه الأمور”. ثم أشار بسيجاره نحوي وأكمل: “عليك أن تتصرف بسرعة؛ فمع نهاية الشهر الأول سيحتاج هاوارد أن يحصل على فكرة جيدة واضحة عن كل ما يتعلق بالمنجزات الاقتصادية التي ستحدث عندما يبدأ العمل في نظام توزيع شبكات الكهرباء الجديد. أما مع نهاية الشهر الثاني فسيحتاج للمزيد من التفاصيل عن مناطق توزيع الكهرباء. الشهر الأخير سيكون عن سد الثغرات الموجودة في الخطة. كل الأمور ستعرض للفحص والمناقشة بمنتهى الجدية. سنضع جميعنا رؤوسنا معا. لذلك، ليكن كل منا متأكدا تماما أنه على دراية بكل المعلومات التي يحتاجها قبل أن ينتهي اجتماعنا هذا. “إلى الأمام” هذا شعاري ولا مجال على الإطلاق للعودة للوراء”.

بدأ هاوارد ودودا مثل الجد، لكنه بلا ريب كان عجوزا عانى خيبات أمل كثيرة وخدعته الحياة. فهو لم يصل لرئاسة نظام الكهرباء في نيوإنجلاند، ولذا يشعر بالإحباط العميق جراء ذلك. راح يكرر على مسامعي قوله: “لقد تجاهلوني لأني رفضت أسلوب الشركة في العمل”. أصر على تقديم استقالته ولم يستطع تحمل البقاء في المنزل مع زوجته دون عمل، فقبل هذه الوظيفة الاستشارية مع شركة “مين”. كانت هذه مهمته الثانية معهم، ولقد حذرني منه إينار وتشارلي. ووصفاه بأنه عنيد، ووصيع، وحاقد.

مع مرور الأيام، أصبح هاوارد واحد من أكثر أساتذتي حكمة، رغم أنه لم يكن من النوع الذي كنت مستعدا لوجوده في حياتي في ذلك الوقت. فلم يسبق له أن تلقى ذلك النوع من التدريب الذي تلقيته من كلودين. أظنهم اعتبروه أسن من أن يتلقى ذلك التدريب أو ربما أعند. أو ربما خططوا لإبقائه لفترة مؤقته، لحين أن يتمكنوا من اصطياد شخص آخر أقدر على العمل المستمر مثلي. وما توقعوه من أن هاوارد سيشكل لهم مشلكة – قد تحقق بالفعل. أدرك هاوارد الموقف بوضوح والدور الذي يريدونه أن يلعبه، ورفض أن يعامل كقطعة شطرنج.

كانت كل الصفات التي اعتاد إينار وتشارلي أن ينعتوه بها صفات حقيقة، لكن على الأقل، كان بعض عناده ينبع من التزامه نحو ذاته بألا يتحول إلى خادم لهم. أشك في أنه سمع من قبل عن مصطلح قرصان اقتصاد، لكنه كان على علم أنهم ينوون استخدامه لترويج شكل من أشكال الإمبريالية التي يرفضها.

انفرد بي جانبا عقب أحد الاجتماعات مع تشارلي. كان يضع على أذنه سماعة لضعاف السمع ويعبث بأصابعه في علبتها الصغيرة التي وضعها تحت قميصه ليتحكم في جرجة الصوت.

قال وهو يحاول خفض صوته : “هذا سر بيني وبينك، سيحاولون إقناعك أن هذه الشركة ستكبر بسرعة صاروخية. إن تشارلي قاسي القلب لا يرحم، لا تدعه ينل منك”. كنا نقف أمام نافذة مكتبنا المشترك، ننظر إلى القناة الآسنة الممتدة خلف مبنى شركة الكهرباء الحكومية. كانت هناك امرأة شابة تسبح في مياهها الموحلة، تحاول الاحتشام بلف رداء السارونج حول جسدها شبه العاري.

بعثت في كلماته إحساسا بالضياع، لكنها منحتني الرغبة في إقناعه بأن تشارلي على صواب. علاوة على ذلك، فإن مستقبلي المهني يتوقف على إرضاء رؤوسائي في شركة “مين”.

قلت له وعيناي معلقتان على المرأة التي تسبح في القناة مؤكد أن هذه الشركة ستلمع وتزدهر: “فقط انظر لما يحدث حولك”. كان من الواضح أنه لا يرى المشهد الماثل أمامنا، فتمتم: “هكذا إذن أنت في جانبهم. أليس كذلك؟”.

استحوذت على انتباهي حركة صادرة من القناة حيث نزل رجل إلى الضفة وخلع بنطاله وجلس القرفصاء على حافة المياة ليقضي حاجته. رأته المرأة التي تسبح في مياه القناة لكنها لم تبال به، وواصلت سباحتها. التفت عن النافذة ونظرت مباشرة إلى هاوارد: “لقد رأيت أماكن كثيرة في العالم. ربما أبدو لك صغير السن، لكني عدت منذ فترة قريبة من أمريكا الجنوبية بعدما قضيت فيها ثلاث سنوات. وأعرف تماما ما الذي يمكن أن يحدث لدى اكتشاف البترول. إذ ذاك تتغير الأمور بسرعة”.

قال ساخراً مني: “أنا أيضاً لسنوات طويلة رأيت أماكن كثيرة في العام. سأقول لك شيئا أيها الشاب. أنا لا أققل من شأن اكتشافات البترول التي تتحدث عنها وكل تلك الأمور المشابهة. لكني أقوم بتقدير أحمال الكهرباء طوال حياتي؛ في فترات الكساد الاقتصادي وفي الحرب العالمية الثانية، في السراء والضراء على السواء. رأيت بعيني ما فعله شق طريق رقم 128 لبوسطن الذي يطلقون عليه معجزة ماساشوستس. واستطيع أن أقل وأنا واثق من كلامي أنه لا توجد أحمال كهربية تزيد بنسبة أكبر من سبعة ألى تسعة في المائة في السنة لأية فترة منتظمة، وذلك على أعلى تقدير؛ فنسبة ستة في المائة أكثر منطقية”.

حملقت فيه. داخلني شعور بأنه على صواب، لكني شعرت أنني في موقف دفاعي. وأدركت ضرورة أن أقنعه بوجهة نظري، لأن ضميري كان يصرخ مطالبا بتبرير.

“هوارد هذه ليست بوسطن. هذا بلد لا يتوافر لأحد فيه استخدام الكهرباء . الأمور هنا مختلفة “. دار على عقبيه ولوح بيده كما لو كان يريد أن يدفعني من أمامه.

قال مزمجرا بغضب شديد: “هيا انطلق، بع نفسك. أنا لا اقلل من قدر اكتشافاتك”. دفع مقعده من وراء مكتبه بسرعة وغضب وسقط فيه. “سأعد تقديراتي للأحمال الكهربائية بناء على ما أعتقده، وليس بناء على دراسات اقتصادية مستندة إلى وعود فارغة” التقط قلمه الرصاص وبدأ يخربش به كيفما اتفق على مجموعة أوراق .

كان ذلك بمثابة نوع من التحدي لا يمكني تجاهله. خطوت ناحيته ووقفت أمام مكتبه: “ستبدو غبيا إذا طابقت اكتشافاتي ما يتوقعه الجميع، طفرة اقتصادية تفوق الطفرة الاقتصادية في كاليفورنيا إبان حمي استخراج الذهب، وأنت تقدر أحمال الكهرباء بنسبة تقارب احتياجات بوسطن في الستينيات”.

ألقى بالقلم من يده وحملق في قائلا: “بلا ضمير! هذا هو جوهر الأمر. أنتم جميعا بلا ضمير” لوح بذراعه نحو المكاتب الأخرى وراء الجدران: “لقد بعتم أنفسكم للشيطان. أنتم متورطون في هذه الأمور بسبب المال. والآن…” وتظاهر بالابتسام ثم مد يده تحت قميصه وأكمل: “سأطفئ السماعة وأعود لعملي”.

ضدمت حتى النخاع. خطوت بعنف خارج الحجرة متجها نحو مكتب تشارلي. توقفت في منتصف الطريق، غير وايق من رغبتي في القيام بما أنوي فعله. وبدلاً من ذلك، درت على عقبي وهبطت الدرح ، خارجا من المبنى.

في  رحاب ضوء الغروب، كانت المرأة الشابة تستعد للخروج من القناة، وقد أحكمت رداء الساورنج على جسدها. واحتفى الرجل الذي كان يقضي حاجته. وظل بعض الصبية يلعبون في القناة، ينثرون المياه ويتدافعون. تقف في القناة امراة عجوز تصل المياة حتى ركبتيها، تنظف أسنانها، واخرى تغسل ثيابها. أحسست بغصة في حلقي. جلست على لوح اسمنتي محطم، محاولا تجاهل ما يتصاعد إلى أنفي من نتن ينبعث من القناة. قاومت بشدة لأمنع نفسي من البكاء، أردت أن أكتشف سبب هذا الشعور بالبؤس الذي انتابني.

ظل صدى كلمات هوارد يتردد في ذهني مرات ومرات: “أنتم متورطون في هذه الأمور بسبب المال”. لقد أصاب مني وترا ملتهبا.

ربما استطيع أن أبوح بدخيلة نفسي لهوارد وأثق به، ربما نستطيع معا الوصول لحل. شعرت في الحال بإحساس من الراحة، فالتقطت حصاة صغيرة وألقيت بها في القناة، وعندما هدأت رقرقة المياه، شعرت بالخفة والنشاط. أعرف أنني ليس بمقدوري أن أبوح له بشيء، فهوارد عجوز لديه إحباطات، وقد أضاع بالفعل فرصا كانت لتحقق له إنجازات في مستقبله المهني، ومن المؤكد أنه لن يحيد عن مساره الآن. أما أنا فما زلمت شاباً، في البدايات فقط، ومن المؤكد بالطبع أنني لا أريد أن أنتهي مثل نهايته.

ظللت أحملق في ماء هذه القناة العفنة، وتراءت لمخيلتي مرة أخرى مدرسة هامبشاير الإعدادية على التل، حيث كنت أمضي عطلاتي وحيدا بينما غيري من الأولاد يخرجون إلى الحفلات يلتقون فيها بالفتيات. سرى داخلي ببطء شعور الأسى. مرة أخرى، ليس لدي من أبوح له بدخيلة نفسي.

تلك الليلة رقدت في فراشي، وفكرت كثيرا في الأشخاص الذين مروا بحياتي: هوارد، تشارلي، كلودين، آن، إينار، العم فرانك. وسألت نفسي: كيف كانت ستسير حياتي إن لم ألتق بهؤلاء الأشخاص؟ وأين كان سينتهي بي المآل؟ ليس في إندونيسيا بالطبع، هذا أمر مؤكد. تساءلت أيضا عن مستقبلي، إلى أين كانت ستمضي بي الحياة؟ تأملت القرار الذي أنا بصدده. لقد أعلنها لنا تشارلي صراحة أن نأتي له أنا وهوارد بمعدل نمو لا يقل عن 17% سنويا. أي نوع من التقديرات يمكن أن أقدمها له؟.

فجأة جالت بذهني خاطرة هدأت من سكينة روحي. لماذا غابت عني تلك الفكرة؟ فالقرار ليس قراري البتة. هوارد قال إنه سيفعل ما يراه صوابا، بغض النظر عن نتائجي. إذن، استطيع إرضاء رؤسائي بتوقعات اقتصادية كبيرة وعليه هو أن يتخذ ما يشاء من قرارات، لن يتطلب عملي أي مجهود خاص بالخطة الرئيسة. فالجميع يؤكدون على أهمية دوري، لكنهم مخطئون. انزاح عن كاهلي عبء كبير. ورحت في سبات عميق.

بعد مضي عدة أيام، سقط هوارد مريضا بفعل حمى قاسية. أخذناه بسرعة إلى مستشفى إرسالية كاثوليكية. وصف له الأطباء الدواء ونصحوه بضرورة عودته بسرعة إلى الولايات المتحدة. أكد هوارد أن لديه بالفعل كل المعلومات التي يحتاجها وأنه يستطيع بسهولة إكمال تقديرات أحمال الكهرباء من بوسطن.

كانت كلماته قبل أن يسافر مجرد تكرار لتحذيره السابق. قال: “لا حاجة بكم لتفيق الأرقام، فلن أشارك في تلك الخدعة، أيا كان ما تدعونه من معجزات النمو الاقتصادي”.

 

(12)

تعليقات

comments

الأقسام: صحافة وترجمات