اليمن تحت المجهر الإسرائيلي

صالح أبو عزة

شكّلت الضربة اليمنية لأرامكو فجر الرابع عشر من سبتمبر نقطة تحوّل في التعامل الإسرائيلي مع الملف اليمني؛ فعلى الرغم من توجيه المستوييْن السياسي والعسكري في الكيان الإسرائيلي أصابع الإتهام نحو إيران، إلا أنّ الحديث عن الخطر اليمني والتهديد الذي تُشكّله حركة أنصار الله اليمنية برزت بشكل واضح وملموس في تصريحات القيادة الإسرائيلية، وعلى رأسهم رئيس وزراء الإحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. لا يخفى على أحد أنّ إسرائيل كانت وما زالت إلى جانب السعودية والإمارات في حربها على اليمن، وتحدثت بعض التقارير السابقة عن دورها في مساندة تحالف العدوان، وأنّ هنالك تعاوناً سريّاً بين الجانبين على المستوى الإستخباراتي والأمني، كما طفى سابقاً على السطح أخباراً تُفيد بأنّ ضُبّاطاً من جيش الإحتلال قاموا بتدريب ضُبّاطاً في الجيش السعودي والإماراتي.

بعد أيّام من استهداف أرامكو كان لافتاً ظهور التصريحات المتتالية للقيادة الإسرائيلية في تحديد اليمن كعدو مشترك بين إسرائيل والسعودية، ففي الوقت الذي تحفّظت فيه إسرائيل عن الإدلاء بأي تصريحات علنية حول الحرب على اليمن، توالت التصريحات القادمة من تل أبيب بعد هذا الهجوم، وعَلَت نبرة التهديدات الإسرائيلية لصنعاء بأنّها ستتلقى أي ضربة عسكرية مباشرة إذا ما تجرأت واستهدفت أيّاً من المصالح الإسرائيلية، سواءً في داخل الأرض المحتلة أو خارجها، وكأنّ إسرائيل تعترف ضمنياً بأنّ اليمنيين هم من شنّوا هجوم أرامكو، وليس الإيرانيين كما ادّعوا في اللحظات الأولى من الهجوم.

ينظر الكيان الإسرائيلي إلى حركة أنصار الله بأنها حركة تُهدّد مصالحه ووجوده، وتُشكّل خطراً على كيانه وأمنه، ويعود ذلك إلى عدد من الأسباب؛ فإسرائيل تنظر إلى أنصار الله أنّها حركة عقائدية راديكالية تُكِن العداء لإسرائيل، وأنّ ثقافة هذه الحركة قائم على الإنتصار لمظلومية الفلسطينيين في مواجهة الكيان الإسرائيلي الذي يُمارس شتّى صنوف الإجرام والإرهاب. هذه الثقافة يزرعها الأنصار في أبنائه وأتباعه ومُريديه، ويجعلُها عنواناً واضحاً لشرعيته المحلية، وبين مكونات الأمّة العربية والإسلامية، كما تسعى إلى خلق حالة من العداء المستمر في الشعور اليمني على العموم نحو إسرائيل.

كما ترى إسرائيل أنّ حركة أنصار الله أصبحت ذات ثقلٍ إقليمي، تنتمي إلى محور المقاومة والممانعة في المنطقة، وتضع يدها وتُناصر كافة تشكيلات هذا المحور؛ فاستقبلت إيران سفير صنعاء السيّد ابراهيم الديلمي، وأسّست لعلاقة استراتيجية مع اليمن على المستوى الرسمي وعلى مستوى حركة الأنصار، وتتهم إسرائيل الحرس الثوري الإيراني بتزويد حركة أنصار الله بالسلاح والمال والخبرات العسكرية والتقنية وخاصةً في المجال الصاروخي والطائرات المسيّرة. وتنظر إسرائيل إلى حركة أنصار الله أنّها إضافة نوعية في محور المقاومة، وأنّ تهديدها الاستراتيجي لدولة الكيان لا يقلّ خطورةً عن تهديد حزب الله في لبنان، وحركتي حماس والجهاد الإسلامي في فلسطين، والحشد الشعبي في العراق، والجيش العربي في سوريا؛ فعلى الرغم من وجود نقاط تماس مباشرة ما بين المقاومة في فلسطين ولبنان وسوريا مع إسرائيل، إلا أنًّ القدرات الصاروخية اليمنية تجعل من خطرها على الكيان لا يقلّ خطراً عن المقاومات الثلاث، فإسرائيل تعتقد أن إيران تعمد إلى نقل أحدث التقنيات الصاروخية إلى اليمن، وخاصةً أن حركة أنصار الله هي الأجرأ في بعثرت معادلات الإقليم، فلم يكن يتخيل أحد أن باستطاعة أي طرف تهديد أرامكو السعودية التي تُشكّل عصب الطاقة العالمي، لكن أنصار الله فعلتها دون أي تردد، فإسرائيل تنظر أنه لا يوجد أي حسابات سياسية، وتعقيدات إقليمية ودولية، يُمكنها أنْ تمنع اليمن بقيادة قائد الثورة السيّد عبد الملك بدر الدين الحوثي أنْ تُوجه صنعاء ضربة عسكرية إلى الكيان الإسرائيلي إذا ما رأت ذلك.

كان خطاب السيد الحوثي واضحاً أشد الوضوح؛ بأنّ الجيش اليمني واللجان الشعبية لنْ تتوانى في الرد على إسرائيل، إذا ما أقدمت الأخيرة على استهداف اليمن بشكل مباشر، وتبعه في ذلك وزير الدفاع اليمني اللواء العاطفي الذي صرّح وأكّد بأنّ القوات المُسلّحة رهن إشارة القيادة اليمنية إذا ما أصدرت قرارها بتوجيه ضربة لإسرائيل. هذه التصريحات لم تمر مرور الكرام في دوائر صُنع القرار في إسرائيل، فهي تُدرك أنّ إيران قد انجزت مشروعها الصاروخي الذي يصل مدى صواريخه إلى ألفين كيلومتر بإصابات دقيقة، فقيام إيران بنقل هذه الصواريخ أو نقل تقنياتها إلى اليمن، يعني ذلك؛ أنّ القدرات الإيرانية سوف تكون إضافة نوعية لما تمتلكه اليمن أيضاً من قدرات في هذا المجال، وأنّ إطلاق صاروخ واحد من تخوم محافظتي صعدة وعمران سيكون وجهته إلى جنوب الأرض المحتلة التي يتوجد فيها العديد من المنشآت الحيوية والاستراتيجية الإسرائيلية، وعلى رأسها مفاعل ديمونا.

حركة أنصار الله واضحة في تحالفاتها واصطفافاتها الإقليمية، كما هي واضحة في تحديد قائمة أعدائها، ولا شك أنّ إسرائيل تُدرك موقعها جيداً في قوائم أنصار الله؛ فبالإضافة إلى ما ذُكر أعلاه، تُشكّل حركة الأنصار تهديداً لحلفاء إسرائيل. ففي الوقت الذي تنتمي فيه أنصار الله إلى المحور الطبيعي الذي ينتمي إلى مشروع نهضة الأمّة وتحررها من الاحتلالات، وقبضات القوى الاستعمارية والإمبريالية، تسعى بعض الدول العربية وعلى رأسها السعودية والإمارات والبحرين إلى الانخراط في المشروع الأمريكي الإسرائيلي، وتبنّي رؤيته حول نقل العلاقات السريّة العربية الإسرائيلية إلى العلن، عبر توقيع معاهدات تحالف وعدم اعتداء، وصولاً إلى تطبيع العلاقات الكامل والشامل. هذا الأمر يعني؛ أنّ صنعاء ليست عدوة إسرائيل فحسب، وليست عدوة السعودية والإمارات، بل هي قوة ارتكاز حقيقية في محور يُعادي تحالفاً إستراتيجياً مستقبلياً يمتد من واشنطن، ويمر بتل أبيب، ويصل عواصم الرجعية الرياض وأبو ظبي والمنامة.

ستبقى حركة أنصار الله، وصنعاء بحُلّتِها المقاومة الجديدة تحت المجهر الإسرائيلي، وستبقى في عين العاصفة الصهيونية، حتى لو انتصرت في استعادت كافة الأراضي اليمنية المُحتلة من تحالف العدوان وأدواته المحليّة، فصنعاء أصبحت مشروعاً عربياً أصيلاً تحمل همَّ أمّة، وتسعى إلى مدّ كلتا يديْها لجميع مكونات الأمّة، لتكون جزءً أصيلاً في مشروع العالمية الثانية، بمُمارسةِ دورها الطبيعي في استنهاض مُحيطها، والعمل مع كافة المكونات المُقاوِمة من دولٍ وأحزابٍ وأفراد؛ لتحقيق شعارها الذي تبنّته الفئة المُستضعفة الأولى في جبال صعدة، وصولًا إلى استراتيجية عربية إسلامية لتحقيق أحلام هذه الأمّة التي بدأت بنفض غبار التبعيّة عن عواهنها.

 

ناشط وإعلامي فلسطيني

(134)

تعليقات

comments

الأقسام: آراء,الاخبار,اهم الاخبار

Tags: ,,,,,,,,,