ساسة بوست: لماذا تستمر انتصارات الحوثيين في اليمن رغم اغتيال قادتهم؟ 5 أسباب تشرح لك

صحافة| المراسل نت:

بزغ نجم «داعش» و«جماعة الحوثي» باعتبارهما قوتين كُبريين في أواخر عام 2014، فبينما أعلن «داعش» في يونيو (حزيران) الخلافة، وبايع الخليفة المقتول أبا بكر البغدادي في الجامع الكبير بالموصل، كانت جماعة الحوثي بمساعدة الرئيس المقتول في أغسطس (آب) تُسيطر على العاصمة صنعاء، وفي الوقت الذي سيطر فيه أتباع الخليفة الجديد على نصف سوريا والعراق، كانت جماعة الحوثي تُسيطر على 12 محافظة من أصل 22 بما فيهم العاصمة؛ وبعد ثلاث سنوات من القتال اندثر التنظيم الأشرس في تاريخ التنظيمات المُسلحة، بينما ظل الحوثيون مُحافظين على ثباتهم بل وعلى معظم أماكن سيطرتهم.

ورغم أنّ الجغرافيا السياسية لسوريا تختلفُ تمامًا عن اليمن، من حيث الأطماع والمصالح واختلاف طبيعة وأطراف الصراع، إلا أنّ إدارة الحرب والقدرة على توجيه المعارك هي ما تُضيف بُعدًا أكثر تفوقًا للحوثيين؛ فسياسة الحصار واغتيال القادة واستنفاد الروح المعنوية للمقاتلين كانت أبرز استراتيجيات كل من التحالف الدولي والعربي، إلا أنّ السهام أصابت شوكة «داعش»، لكنَّها لم تنل حتى الآن من جماعة الحوثي، إضافة إلى عدة أسباب أخرى هي عُنوان التقرير.

 

بروباجاندا الحرب..

لا يُمكن لأي صحافيّ أن يُمارس عمله في المناطق التي يُسيطر عليها الحوثيون إلا بإذنٍ من مسئول الإعلام الحربي، فمنذ سيطر الانقلابيون على العاصمة صنعاء، توجهوا مباشرة إلى مؤسسات الإعلام؛ فأغلقوا الصحف والقنوات الفضائية المعارضة لهم، كما قصفوا المحطات التلفزيونية الحكومية بالمدافع، كما استخدموا التكنولوجيا لحجب نحو 120 موقعًا، وفي عام 2015 فقط قُتل نحو 14 صحافيًا، واختطف 214 آخرون، وتعرَّض للاعتقال 40 شخصًا، وفي المقابل كانت منصات الحوثيين الإعلامية تعملُ بكفاءةٍ على الأرض، والنتيجة أنّ وسائل الإعلام العربية والأجنبية باتت تعتمد في مصادرها على الإعلام الحربي الحوثي الذي يُعلن هزائمه وانتصاراته على السواء.

منذ يومين، أعلنت جماعة الحوثي مقتل الرجل الثاني لديها صالح الصماد، رئيس المجلس السياسي الأعلى، الذي كان يُوصف بأنه رئيس الجمهورية الفعلي لمناطق سيطرتهم، وذلك في غارة للتحالف العربي، إلا أنّ الحوثيين ذيّلوا في نهاية الخبر أنّ الصماد قُتل يوم الخميس، أي قبل الإعلان بنحو أربعة أيام، وبالرغم من أنّ الخبر يحمل نصرًا كبيرًا للحكومة اليمنية وللسعودية على السواء، إلا أنّ الاعتراف بموعد القتل يحملُ دلالة واضحة في قدرة الجماعة على اتخاذ قرارٍ سريع يحافظ على تماسكها من جهة، وتفوقها في احتكار المعلومة، في ظل تكتم التحالف العربي على خسائره.

وبينما انفرط عقد جماعة طالبان في أفغانستان بسبب إخفائهم خبر وفاة زعيمها السابق الملا عمر لأكثر من عامين، حفاظًا على الروح المعنوية للجنود في قتالهم ضد حلف الناتو، لم يرتكب الحوثيون ذلك الخطأ سوى مرةٍ واحدة لم تتكرر  إلا في حالة فريدة؛ فطه المداني رئيس الاستخبارات، والرجل الثالث الذي أخفت الجماعة مقتله قرابة عامٍ ونصفٍ، كانت المعلومة قد تسربت إلى الجنود الذين عزز اختفاءه تلك الفرضية لديهم مما أدى لارتباك الصفوف، مما جعلهم يُغيرون استراتيجيتهم لإظهار أنّ حربهم تتجاوز الأشخاص والقيادات، وهي نفس الرسائل التي تبثها الصحف التابعة لهم.

ومؤخرًا استخدم الحوثيون آلتهم الإعلامية لنشر هزائمهم وانتصاراتهم، فبينما أعلنوا عن استهداف دورية سودانية بصاروخ بالستي قتل نحو 94 جنديًّا، أذاعوا أيضًا خبر استهداف ناصر حسين، قائد العمليَّات الصاروخية الذي قُتل قبل أسبوع، وعبد الكريم الخيواني، أحد أبرز أعضاء المكتب السياسي، وأبو علي الحاكم قائد العمليات الميدانية الذي قتل علي عبدالله صالح، وآخرين أبرزهم مسئول التوجيه المعنوي ومسؤول الارتباط وتجنيد أبناء القبائل، وقائد معارك الساحل الغربي.

لديهم مخزون استراتيجي هائل من السلاح

يمتلك الحوثيون ترسانة ضخمة من الأسلحة والذخائر حصلوا عليها وخبّؤوها في الجبال على مدار أكثر من 10 سنوات، وحين سيطروا على العاصمة صنعاء استطاعوا الانتصار  على الجيش اليمني – تعداده نصف مليون مجنّد –، بل إنهم استولوا على مخازن السلاح للجيش، وضمّوها إلى مخازنهم السرية التي تنتشر في بطون الجبال الوعرة، ومع بدء عاصفة الحزم في مارس (آذار) عام 2015، أعلن المتحدث باسم التحالف تدمير نحو 80% من مستودعات الأسلحة والذخيرة للحوثيين، لكنّ الأيام كانت كفيلة بالتشكيك في تلك الرواية، خاصة أنّ السلاح المنهوب يُمثل نسبة كبيرة من متعلقات الجيش اليمني.

 

وبعدما بدا واضحًا أنّ المخازن الحوثية كانت بعيدة عن أهداف التحالف، بدأ التساؤل عن حجم القدرة الصاروخية التي تستحوذ عليها جماعة الحوثي تزامنًا مع انطلاق عملية إعادة الأمل، والتي أظهر فيها الحوثيّون امتلاكهم أعدادًا كبيرة من الصواريخ البالستية القصيرة والبعيدة، والقادرة على توجيه صفعات للتحالف العربي، وبدؤوا فعليًا في استخدامها من مايو (أيار) عام 2015، وتتضمَّن منظومتهم الصاروخية أنواعًا مختلفة منها صواريخ روسية من نوع «سكود»، ومنظومة صواريخ «توشكا»، و«فروغ 7» روسي قصير المدى، «قاهر 1» و«قاهر 2»، و«زلزال 1»، و«زلزال 2»، و «هواسونغ-5» مصدرها كوريا الشمالية.

وفي أوائل العام الحالي، أعلن الحوثيون عن تطوّر مهم في عملياتهم العسكرية، فأدخلوا منظومة صواريخ أرض جو جديدة مطورة محليًا قادرة على التصدي لطائرات التحالف العربي، ونجحت بالفعل بحسب روايات الإعلام العسكري الحوثي في إسقاط 29 طائرة، منها طائرتين إف 16، وطائرة إف 15، وطائرتين أباتشي، و19 طائرة استطلاع.

 

تباطؤ العمليات العسكرية أظهرهم قوة منتصرة

قبل تشكيل «عاصفة الحزم» في مارس عام 2015، كان الحوثيون يسيطرون سيطرة كاملة على 12 محافظة من أصل 22 (صنعاء وهي العاصمة، عمران، ذمار، صعدة، أجزاء من تعز، إب، الحديدة، ريمة، المحويت، حجة، البيضاء، الجوف)، وركزت قوات التحالف على تحرير المدن الساحلية أولًا؛ بينما شهدت بقية خطوط القتال على مدار عامي 2016 و2017 تقدمًا ضئيلًا ومناوشات محدودة.

باطؤ العمليات العسكرية صبّ في صالح الحوثيين بامتياز، فبينما جعلهم يستحوذون على المناطق التي استولوا عليها أكبر فترة ممكنة، أظهرهم باعتبارهم قوة عسكرية منتصرة لها ثقلها على الأرض، وهو ما شكّل مأزقًا للحكومة اليمنية وصفعة للتحالف العربي، وبينما تستمر عمليات الاغتيالات في الصفوف الأولى على يد تنظيم القاعدة أو غارات التحالف، لا تهتزّ الروح المعنوية للمقاتلين بمقتل القائد طالما أنهم ما زالوا يفرضون قوتهم على الأرض.

أما على صعيد ساحة العمليات العسكرية التي يقودها التحالف فتشهد جمودًا عسكريًّا بامتياز منذ أكثر من عامٍ ونصف؛ فالقوات السعودية التي تتوغل في العمق اليمني مدعومة بالمقاومة الشعبية، وصلت إلى مشارف العاصمة صنعاء، ثم توقفت العمليات العسكرية البرية، والتحالف يرفض الدفع بقواته للهجوم على المدينة، كما أنه يرفض أيضًا تقديم الدعم العسكري لقوات المقاومة أو الجيش اليمني لتحريرها، الأمر  نفسه تكرر في الجنوب، والإمارات أيضًا تجاهلت مدينة تعز، مما دفع الرئيس هادي لإطلاق عملية «صنعاء العروبة» لتحرير المدينة، كما أطلق عملية أخرى لتحرير مدينة تعز.

وعلى عكس كل التوقعات، فمقتل الرئيس علي عبد الله صالح، لم يكن بداية النهاية للحوثيين،فحزب «المؤتمر» الحاكم، لم يفضَّ الشراكة مع الحوثيين حتى الآن، ففي بيانه الأول الذي أصدره عقب مقتل صالح، دعا إلى الثبات والتمسُّك برفض العدوان الذي تقوده السعودية والإمارات، كما أنّ قادته لم ينفصلوا، واستمر التحالف مع الحوثيين تحت الزعيم القبلي الجديد صادق أمين أبو الراس، وهو ما ساهم في تماسك الجماعة عكس بقية الفصائل والأطراف الخارجية والداخلية.

 

اختلاف أعدائهم وحّد صفوفهم

منذ بداية الحرب والحظ في صالح الحوثيين؛ فعندما أسقطوا العاصمة صنعاء وأجبروا الرئيس هادي على تقديم استقالته، لم تتدخل السعودية لإنقاذ الشرعية إلا بعدما قام الحوثيون بالانتصار على حزب الإصلاح اليمني المحسوب على جماعة الإخوان المسلمين، وبعدما خلت صنعاء من قبضة الإصلاح، شنّت السعودية عاصفة الأمل، هكذا بدأت الحربُ بأجندة مُغايرة للواقع.

وعلى المستوى السياسي الخارجي؛ فخريطة الحرب اليمنية ممُزقة إلى عدة حروب؛ فالسعودية والإمارات ترغب في الاستحواذ السياسي على محافظة المُهرة الاستراتيجية وتواجه تحركًا من سلطنة عُمان، والحكومة الشرعية تواجه أزمة في شرعيتها أبرزها بقاء هادي في السعودية حتى الآن، وعدم سيطرته على المناطق المحررة،وتخلّي بعض وزرائه ومحافظيه عنه، إذ انضموا للمجلس الانتقالي الجنوبي الذي يسعى للانفصال عن البلاد بدعمٍ إماراتي ورفضٍ سعودي، وهو الآخر يواجه أزمة تمثيل داخليه بين طوائفه، وفي حال وقع الانفصال، فلن يكون هناك مُنافس في الشمال للحوثيين سوى السعودية.

 

ولا يُمكن إغفال الأجندة السياسية للإمارات التي قادتها لصراعٍ مكتوم مع حليفتها السعودية، بدايةً من تجاهلها تحرير محافظة تعز التي يُسيطر عليها الحوثيون حتى الآن، مرورًا بقوَّات «الحزام الأمني» التي تتبع الجيش الإماراتي مباشرة، نهاية بالأطماع الاقتصادية والاستعمارية في الجنوب المتمثل في القاعدة عسكرية في جزيرة  المخا، والاستحواذ على جزيرتي سقطرى وميون، إضافة لتهجير السكان، واعتقالهم في أحيانٍ أخرى، إضافةً للأزمة الإنسانية التي حوّلت التحالف من منقذٍ إلى عبء، وتاريخيًا كانت أحد أهم أسباب صعود نفوذ جماعة الحوثي هو الوضع الإنساني الصعب الذي دفعهم لمواجهة مباشرة مع صالح في سبع حروب استفادوا منها لاحقًا.

كل هذه التغيّرات في السياسة والجغرافيا تتوقف عند المحافظات العشر التي يسيطر عليها الحوثيون سيطرة كاملة عبر إعلامهم وأسلحتهم.

 

 الخبرة العسكرية.. حصاد سبع حروب

منذ عام 2004 وحتى 2010، شنّ صالح ست حروب ضد الحوثيين الذين طالبوا بإصلاحات سياسية، وكانت مبررات الحرب التي أطلقها صالح لإعادة علاقاته مع الغرب والسعودية، هي أنّ إيران تدعم الجماعة الشيعية لهدم الجمهورية وإعادة الملكية، إضافة إلى أنه اتهمهم بإنشاء تنظيم مسلح على غرار حزب الله اللبناني، واستعمال المساجد لبث خطابات معادية للولايات المتحدة والتحريض على الإرهاب، وبالرغم من أنه نجح في قتل زعيهم حسين الحوثي في بدايات الحرب، إلا أنّ أخوه الذي تولى من بعده هو الذي يُدير الصراع حاليًا، وهو ما يجعل ظروف تقلده الزعامة صغيرًا تتشابه مع تقلد حسن نصرالله، زعامة حزب الله اللبناني، والمثالان السابقان يُشيران بقوة إلى ما الذي يمكن أن تفعله خبرة الحرب الطويلة مع جيوش نظامية.

ورغم أنّ الجيش اليمني في عهد صالح أثبت تفوقًا كبيرًا على الحوثيين، إلا أنّهم استفادوا أيضًا؛ فحصلوا على السلاح واكتسبوا خبرة، وأثبتوا ظهورًا استفاد منه صالح فيما بعد؛فبعد تنصيب الرئيس اليمني الحالي عبد ربه منصور، استغل صالح خلاف الحوثيين مع الرئيس الجديد، فعاد إلى أعدائه القُدامى الذين دعمهم من خلال قوات الحرس الجمهوري السابق، والقوات الخاصة التي تدين له بالولاء، وساعد الحوثيون صالح في السيطرة على صنعاء، ومحاصرة القصر الرئاسي.

الخبرة أيضًا لم تكن عسكرية فقط؛ فحينما شعر الحوثيون بخيانة صالح لهم، وعزمه على فك الارتباط معهم، بادروا هم ببدء الخلاف والدخول في مناوشات وقتال محدود انتهى بقتل صالح، ويبدو أنّ الصراع السياسي والعسكري القائم سيُعطي للحوثيين بقاءً ونفوذًا أكبر لفترة طويلة، رغم محاولات اغتيال قادتهم.

 

نقلاً عن موقع “ساسة بوست”

(972)

تعليقات

comments

الأقسام: الاخبار,اهم الاخبار,صحافة وترجمات,عاجل

Tags: ,,,,,,,,,